ثقافة الراقصين على جراح الشعب
رمضان عمر
الخطير في ثقافة الاستسلام ليس ما قدمته من تنازلات، وصلت إلى حد الفجيعة السياسية ، بل ما صبغت به القضية الفلسطينية من ثقافات دخيلة تجاوزت كافة الخطوط الحمر ، وقطعت كل الحواجز والمحرمات ، التي شكلت -عبر ثلاثين سنة- حصانة شعبية ، تمنع استفراد فئة أو قائد بقرار جائر ، فلما تفشى الفساد السياسي وتحولت الحركات الثورية المسلحة إلى حركات براغماتية انهزامية ، بفعل الرؤية الواقعية المرهونة بموازين القوى المتباينة؛ أصبحت القضية عرضة لكوارث تهدد الحلم الفلسطيني وتبعثر طاقاته الحيوية
الواقعية الأدبية وبذور الانهيار الثقافي
ربما كانت الدوافع الحقيقية وراء تصورات محمود درويش وسميح والقاسم في ثقافة التعايش التي انتصبت ماردا مخيفا أمام اكتمال نصاب قصيدة النص المقاوم ، نابعة من تصور فكري يساري ، لا يتقاطع وثقافة الولاء والبراء في فلسفة التمايز الإسلامي بين الحق والباطل ؛ وقد وردت تلك البذور الثقافية في غير نص لهما .
وربما كان ديوان حالة حصار لدرويش وما جاء فيه من رؤية فلسفية تناقضية ، مخالفة لكل ينابيع التصور الإسلامي عن فن ثقافة الموت في سبيل الله ، وتمجيد العمل الجهادي ؛ أكثر وضوحا في محاولة الانزلاق بالهوية الثقافية التاريخية وفق الرؤى الحداثية العلمانية ، وهو ما شكل انعطافة تاريخية لبروز تموجات فكرية أفرزت حالة من التناقض الجدلي مع الذات، والبحث عن أدبيات خارج نطاق المشروع الوطني، لترويج إخفاقات التخبط السياسي والفكري لدى أصحاب المشروع الانهزامي من أسياد الثقافة الفلسطينية الانهزامية .هذه الثقافة المبنية أصلا على حب الحياة وكراهية الموت في توصيف الغثائية كما ورد في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم-
" يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت
هذه الثقافة الانهزامية هي التي اسهمت وبشكل واضح في استشراء الظاهرة الاستعمارية وتغلغلها في مرابعنا ، من خلال مفهوم القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي ، و هي التي سمحت لهؤلاء وغيرهم بقبول اشتراطات الواقعية السياسية للبحث عن حياة وأي حياة تحت ذريعة اختلال الموازين ، ولن ادعك تغادر هذه المقدمة حتى انقل لك مما ذكره درويش في حق الشهداء تصورا واعتقادا
خسائرنا: من شهيدين حتى ثمانية كل يوم·
وعشرة جرحى·
وعشرون بيتا·
وخمسون زيتونة···
بالإضافة للخلل البنيوي الذي
سيصيب القصيدة والمسرحية واللوحة الناقصه
هذا هو المشهد الشعري الذي يقدمه درويش –حول الشهيد - راسما من خلاله معالم الصورة التي يفترضها ايديلوجيا ؛ هروب من واقع مستحيل التشكل إلى عالم هلامي لا حقيقة له –في نظر درويش- سوى بعض الآمال المزروعة في عالم الميتافيزقيا ؛فهو لا يعبأ بذلك الإيمان الجبار الذي يحرك الاستشهاديين وينقلهم إلى ساحة التضحية بالغالي والنفيس ، بل يسخر علانية من ذلك التصور الذي يقدمه الإسلاميون في تعليل فلسفة الاستشهاد ؛ فليس هناك سوى حب الأرض حبا طبيعيا دون أية مؤثرات ميتافيزيقية او ميثلوجية
تقول القصيدة :
"الشهيد يوضح لي : لم أفتش وراء المدى
عن عذارى الخلود ، فإني أحب الحياه
على الأرض ، بين الصنوبر والتين
لكنني ما استطعت إليها سبيلا
ففتشت عنها بآخر ما أملك ، الدم في جسد اللازورد "
ومن هنا، فلم تعد ثقافة الاستشهاد –كما يفترضها درويش – قائمة على المحركات الدينية في وعود الإسلاميين بجنة الخلد ، بل هي حالة من الانهزامية المفروضة حين يبحث المرء عن السعادة في الدنيا فلا يجدها ؛ فيلجأ إلى الانتحار متعلقا بسبب غيبي ، مفتشا من خلاله عن آخر أدوات البحث. وهو من هذا النحو يكاد يقول: أن لا فرق بين الانتحار وبين الاستشهاد ، لان الشهيد نفسه يكذب المزاعم التي تقول بأنه فرح بما أصابه
" الشهيد يحذرني: لا تصدق زغاريدهن
وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا
الانزلاق الفكري ومفهوم العصرنة
وبعض الحكاية انأ سئمنا نزيف الجراح
وبتنا نغرد رقصا وشعرا
وباتت ليالي الخلاعة فينا سبيل الصمود
الأدب والفكر والثقافة بوابات الصمود والتطور والحضارة ، تقيل الأمة من خلاله عثرة المتعثرين وتعيد بناء الأجيال وفق فهم عميق ورؤية ثاقبة ، والقضية الفلسطينية منيت بحقبة ثقافية وفكرية كادت تسلخ القضية من مرتكزاتها الأساسية: الدين والفكر والتاريخ ، وساهم جمع من المستغربين العلمانيين على تجريد الهوية الفلسطيني من حصاناتها الفكرية بتذويبها في فلسفة التعايش السلمي ، المبني على التبعية والتهويد ، أو الانصهار في حضارية الفكر ، معتبرا أن التاريخ والدين رجعية وظلامية وعدمية ، حتى عندما التفت بعضهم إلى التاريخ مستأنسين بتراثه الشعبي التفتوا إلى وجهه المعتم ، فثارت ثائرتهم عندما قررت وزارة التربية والتعليم السابقة حجب بعض المخازي عن عيون الطلبة في كتاب قول يا طير ، ولكنهم - أي الراقصون على الجراح - اخرسوا
المزيد