رئيس رابطة  ادباء بيت المقدس


جديد  الشاعر

الحرب الإعلامية وأثرها في تشكيل الرؤى السياسية

كتبهارمضان عمر ، في 28 آذار 2008 الساعة: 08:28 ص

الحرب الإعلامية وأثرها في تشكيل الرؤى السياسية

التجربة الفلسطينية أنموذجا

رمضان عمر ـ باحث وكاتب فلسطيني

الاربعاء 18 ربيع الأول 1429 الموافق 26 مارس 2008

عدد القراء : 37     

 

 

كتابة التاريخ بالدم, وفرض الحقائق على الأرض من خلال استراتيجية مهيبة في التضحية والبذل, وإعداد كوادر نضالية جبارة, وأجنحة عسكرية قوية تلقن العدو دروسا في التضحية والفداء, بعيدا عن كاميرات التصوير لن يكون كافيا لفرض حقائق النصر على الأرض ما لم يدعم بهالة إعلامية اختراقية تجعل للصدى واقعا مماثلا, وللحقيقة جسدا ماثلا, وتكنس الزيف والتضليل, كما كنست المحتل والدخيل.
وتبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحا حينما نعيد قراءة الآخر وأدواته في المعركة لنعلم أن الصهاينة ما كان لهم أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا من خلال هذا الأخطبوط الإعلامي الرهيب, الذي اخترق العقلية الذهنية والنفسية العربية, منذ عقود طويلة مضت, بعد أن أصبح واقعا عنكبوتيا سرطانيا, ما شكل غزوا فكريا وإعلاميا رهيبا لا يقل خطورة عن الانتكاسات المتتالية التي منيت بها الأمة منذ نكبة 1948 حتى الآن.
فمنذ اليوم الأول لميلاد فكرة الدولة العبرية اتخذت الصهيونية من الإعلام أداة رئيسة لتحقيق ذلك الهدف " فقد جاء في البند الثالث من مقررات المؤتمر الصهيوني الاول الذي عقد في بال بسويسرا عام 1897: «ضرورة العمل على نشر الروح والوعي بين يهود العالم وتعزيزهما لديهم من أجل دفعهم للهجرة إلى فلسطين»، وكانت المسؤولية الأولى لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي تقع على عاتق الإعلام الذي قدم خدمات كبيرة للغاية للمشروع الصهيوني وهدفه في إقامة "إسرائيل"، ومنذ ذلك الوقت والإعلام يشكل حجر الزاوية في الاستراتيجية الصهيونية التي أخذت بعداً آخر بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948، حينما اندمج الإعلام بشكل كامل ومطلق بالسياسة الخارجية الإسرائيلية التي كان هدفها الرئيسي توسيع الكيان الصهيوني على حساب العرب، وتكريسه حقيقة واقعة في ظل الإمكانات الضخمة لرعايتها من قبل الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع وصول الثورة التكنولوجية في التسعينيات وما بعدها إلى غايات بعيدة, سنحت بإحداث نوع من التمرد الإعلامي الحر, وإمكانية حقيقية لوصول المعلومة بسرعة مذهلة دون أن يكون للرقابة الرسمية قدرة مطلقة على حجبها, بدأت المعركة الإعلامية تأخذ أشكالا متعددة, وأضحت المخاوف الصهيونية تزداد إلى حد حشد كافة الطاقات, وتوفير دعم مادي غير مسبوق للحيلولة دون وصول الحقيقة عبر وسائل إعلامية بعيدة عن سيطرتها، فقامت – على سبيل المثال لا الحصر - بتوجيه دعوات لكبار الصحفيين الذين لهم حضور قوي في بلدانهم - على نفقتها - ضمن برنامج تم إعداده مسبقاً، لتعمل على إعادة صياغة نظرتهم للأمور وفقاً لمنظارها, وترتب لهم لقاءات مع عائلات القتلى الصهاينة الذين سقطوا في العمليات الاستشهادية لممارسة نوع من الضغط والتأثير المعنوي عليهم ومن ثم عكسه من خلالهم على الجمهور في بلدانهم.
لكن المحذور قد وقع, وبدأت تتشكل في الأفق السياسي البعيد مشاريع إعلامية مستقلة, استقطبت لها جماهيرها, واتسمت بنوع من المصداقية الإبداعية, والمهنية الشفافة, أثارت اهتمام المواطن المحروم من هامش الحرية, وتبدد الحلم الصهيوني القائم على فرضية أن المعلومة مهما كانت لا بد أن تمر عبر تل أبيب.
وكان لا بد مع هذه الآلة الهستيرية من التحشيد الصهيوني الإعلامي, أن تتشكل - على المستوى الرسمي العربي - جبهة عربية موازية, تقف مع الثوابت الوطنية العربية, وتمنع الانزلاق والاندثار أمام تلك الهجمة الإعلامية الصهيونية المتغطرسة، ولكن للأسف روض النظام العربي ترويضا, جعله لا ينظر لـ«إسرائيل» بأنها الخطر، بل هي جزء من الرد على الخطر، الذي بات يتمثل في صعود إيران وبروز حركات مقاومة في المنطقة تشكل حلما واعيا لإمكانية تحقيق انتصار نوعي ينسخ ذاكرة الهزائم التي مُني بها المسرح السياسي العربي عبر عقود النظم الدكتاتورية الكرتونية الرسمية وتعزيز مكانتها في الإقليم، نسجاً على منوال قراءة أمريكية، ترى في «إسرائيل» جزءاً طبيعياً من المنطقة، يجب التعاون معها، وأهم ما يمكن التعاون معها فيه خطر قوى المقاومة الاسلامية في المنطقة .
ولم يقف الموقف العربي الرسمي عند هذا, بل تعداه إلى حد التآمر والتواطؤ العلني مع العدو ضد القضية الفلسطينية ؛ فمشهد خذلان غزة، ليس أمراً عصياً على الفهم، انتقال الموقف الرسمي العربي، من مربع العجز المذل إزاء «إسرائيل» وجرائمها وتهديدها للأمن القومي العربي، إلى مربع التواطؤ مع واشنطن وتل أبيب، ضد خيارات الأمة في التحرر والاستقلال، في فلسطين وغيرها، وانطلاقاً من نفسية التماهي مع الرؤية الأمريكية، وإعطاء الأولوية لمصالح النخب الحاكمة، وليس مصالح الشعب العربي في هذا القطر أو ذاك.
ففي حين اعترف العدو ببسالة غزة وشراسة مقاتليها، فإنه لم يستح من ذكر أن أطرافاً رسمية عربية وأخرى فلسطينية، كانت تلعب لصالح نجاح الحملة الإسرائيلية على غزة، ودون مواربة، وأن هذه الأطراف، رغم إمكاناتها وحجم تسليحها وعظم جيوشها، فإنها ظلت عاجزة عن التعبير عن موقف مستقل، يتعارض مع الموقف الأمريكي والإسرائيلي. والأسوأ أنها ظلت مستعدة، ولحسابات صغيرة، تؤدي أدوارا عن رضا لصالح واشنطن وتل أبيب.
من ناحية  أخرى, النظام العربي الرسمي المرتبط أمنيا وسياسيا مع المشروع الأمريكي في المنطقة يدرك هو أيضا خطورة الإعلام الحر, وما قد يحدثه من تغييرات جذرية لصالح المشروع المقاوم, ولذا فقد بادر تحت ضغط الإرادة الأمريكيةبإصدار وثيقة تحت عنوان "تنظيم البث الفضائي الإذاعي والتلفزيوني في المنطقة العربية".
وعند قراءة القرارات الاستثنائية لهذا الجمع النشاز الهستيري يدرك المرء طبيعة العقلية العربية الرسمية المخترقة إعلاميا من قبل أخطبوط الإعلام الصهيوني, فهم - أي وزراء الإعلام العرب - ليسوا معنيين بمجابهة ذلك الإسفاف المخيف الذي جاءت به فضائيات الخلاعة, او فضائيات التضليل الأمريكي كالعربية والحرة وغيرهما, وإنما كان التركيز على الفضائيات الإسلامية وبعض الفضائيات ذات التوجه السياسي المستقل, أو المتضامن مع الشعوب المقهورة والمقاومة كالجزيرة وفضائية الأقصى, مما يكشف طبيعة التوجه العربي الإعلامي ومدى ارتباطه بالأخطبوط الإعلامي الصهيوني.
فلسطينيا, بعد الحسم العسكري  في غزة, بدأت المعركة الإعلامية, تأخذ بعدا ثلاثيا, واصطفافا من نوع جديد, انحازت فيه فتح بالكلية للجانب الصهيوني, فروجت لدعايتها, وغطت على جرائمها, وكذبت دماء الشهداء وأنات الجرحى, وشاركت في قلب الحقائق, فزعمت أن قادة حماس قد عملوا باتفاق مع الاحتلال لإبادة الآمنين في غزة لرفع رصيدهم في الدعاية والإعلام, متناسين أن جل قادة حماس قدموا أبناءهم شهداء في معارك الصمود والدفاع عن غزة الذبيحة المحاصرة, بسبب صمود حماس وفوزها رغم أنف الإرادة الأمريكية وعلى رأسهم الحية والزهار, فكان التلفزيون الفلسطيني أداة من أدوات الحصار والتشويه ومعولا من معاول الهدم جنبا إلى جنب مع آلة الإجرام الصهيونية, وبدأ الغربان من أصحاب الضمير الميت ينددون بكل صوت حر يدعو لدعم أهلنا في غزة، فقامت قيادات فتحاوية بحملة ضد قناتي الجزيرة والأقصى, بالتزامن مع حملة مشابهة لمقاطعة الجزيرة من قبل الصهاينة، وليس بعيدا عن هذا المشهد التآمري ما أدلى به الرئيس الفلسطيني محمود عباس من مزاعم حول وجود خلايا لتنظيم القاعدة في قطاع غزة وما قام به أيضا رئيس وزرائه رياض المالكي من ادعاء أن سبب الاجتياح الصهيوني يعود الى الصواريخ التي تطلقها المقاومة دفاعا عن النفس.
هذا الاتساق والتناغم بين الطرفين يدلل على حجم التنسيق والذوبان في بوتقة المشروع الصهيو أمريكي، فكل من سلطة رام الله وسلطة تل أبيب ترى أن دواعي مقاطعتها لقناة الجزيرة تعود إلى أن الجزيرة انحازت لدماء الضحايا العزل من أبناء الشعب الفلسطيني بغزة, ولكن الأداء الإعلامي الحر الذي قدم من قبل الجزيرة والأقصى والانتصار الميداني الذي أنجزته كتائب القسام في جبل الكاشف قلب الصورة ورد المتآمرين على أعقابهم, لم ينالوا إلا خسرا

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المقالة السياسية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر