رئيس رابطة  ادباء بيت المقدس


جديد  الشاعر

الالتزام في الشعر المقاوم

كتبهارمضان عمر ، في 27 حزيران 2006 الساعة: 14:38 م

من اجل منهج إسلامي متكامل في النقد الأدبي

الالتزام في الشعر المقاوم

رمضان عمر

يواجه الادب المقاوم في فلسطين المحتلة جملة من المشكلات الفنية … تدخله في جدلية الديمومة أو الذوبان ؛ قهو من نحو يتسم بسمات- مضمونية- تميزه -من حيث الفكر والسياسة – عن جملة الانماط الشعرية التي طالت النص الوطني من زواياه المختلفة

… ومن نحو أخر ما زال هذا النمط الشعري مشتت القوالب الفنية والاسس المشتركة التي تقدمه على اساس الانفراد الفني أو النمطي ؛ ففرسان هذا اللون سوى اليساريين المعروفين سابقا –كدرويش ومعين بسيسو وسميح القاسم وغيرهم -مغمورون لم تسمع بهم سوى اوساط فكرية اسلامية محدودة ،

أو شعراء قوميون مزجزا بين ذاتية الشعر ووطنية القصيدة ؛ أولئك الذين لم تسمح لهم وسائل الاعلام بقرع ابوابها لتبدا عملية التنظير اخذة مداها الطبيعي في معارك التلاقح الادبي أو التناطح الفكري

وفي ظل هذا الغياب الملحوظ لصوت الاديب الاسلامي على الساحات العلنية في الحانب الادبي للشعر الفلسطيني المقاوم تأتي مسائل النقد الجاهزة لكل انماط الادب الملتزم ؛ قاطعة الطريق أمام تلك الابداعات الثورية ذات النفس الاسلامي الخالص

ويبدو لي أن غياب الجانب التنظيمي في قدرة الإسلاميين على تشكيل رابطة إسلامية قوية كما فعل اسلافنا في المهجر عندما استدعتهم ظروف الاستغراب الى البحث عن اطارات تحفظ لهم الهوية في محيط الغربة فكانت رابطة ادباء المهجر وغيرها

وأنا أدرك أن الحديث عن الالتزام الأدبي قي تاريخ الحركة الشعرية العالمية .. لم يكن وليد اللحظة بيد أنني اعرضه هنا في سياق النص الفلسطيني المقاوم ؛ وهذا العرض لن يكون مبتورا عن تطورات هذا المصطلح في أروقة النقد العربية .

ومن هنا ، فإنه من المفيد ان نستعرض ،هنا ، شيئا نزرا عن بذور هذا المصطلح وعوامل تطوره:

فقد عرف القاموس اللغوي القديم تلك الكلمة " الالتزام" لتدل على مطلق الاعتقاد

ثم خصصت حديثا لتدل على المشاركة في قضايا الأمم والجماعات

وقديما ذكر افلاطون ان للشعر رسالة سامية إن لم يحققها فهو شعر فاسد ،وأوهام لا تحد لها ظلالا في عالم الحقيقة . وصرح أفلاطون :"بأن فن الشعر إذا كان ممتعا وسارا فإن خطورته تكمن فيما يبعثه في نفوس الآخرين من اللذة والطرب ؛ لأنه قد يدفعهم إلى الرضا عما فيه ، مما قد يتنافى مع الحقيقة أو مع الفضيلة".

وفي النقد العربي القديم طائفة كبيرة من أعلام الشعراء والنقاد الذين صانوا أدبهم وشعرهم عن الكشف والابتذال وصاروا نصراء للفضيلة ومكارم الأخلاق فقال قائلهم :

أحب مكارم الأخلاق جهدي وأكره أن أعيب وأن أعابا

غير أن الصدق في فهم الكثيرين من نقاد العصر الحديث ، قد تجاوز مسالة الصدق الواقعي والرؤية الأخلاقية ، وضرب عنهما صفحا، معللا ذلك بأن هذا النوع من الصدق مبحث يهم الأخلاق وما يعنيهم هو صدق الشعور بالحياة وصدق التأثر بالمشاعر أي الصدق الفني .

ذلك ان وظيفة الأدب – كما يرون- لا تنتهي عند الدلالة المعنوية للألفاظ والعبارات ، بل تضاف إلى هذه الدلالة مؤثرات أخرى يكمل بها الأداء الفني ، وهي جزء أصيل من التعبير الفني : كالايقاعات الموسيقية والصور الفنية والظلالات التي تلفع النص فيشع باشعاعاته الخاصة ليشكل في نهاية المطاف ما يمكن تسميته بالتجربة الشعرية الذاتية

وعندما نعرض للالتزام بمفهومه النقدي الحديث فإن ذلك يدعونا لطرق أبواب المدارس النقدية العربية والعالمية ؛ فقد رافق استعمال هذا المصطلح " الالتزام" ظهور ما عرف بالواقعية الاشتراكية التي رأت أن أساس الابتكار الفني إدراك الفنان للحقيقة الموضوعية ، لا لخيالاته الذاتية

والدعوة إلى الالتزام من خلال تلك الانطلاقة دعوة سياسية في حقيقتها ، توجب -كما يقول لينين-أن يضرب الفن بجذور عميقة بين أوسع جماهير الشعب العامل

إذن فالأدب في تصور الثوريين محرض ومعبئ للنفوس؛ يشحن الأفراد والجماهير بالقوة التي تجعلهم قادرين على مواجهة حالات اليأس والقنوط والضياع .

والأدب والفن لا يكتفيان – في رأي المدرسة الواقعية الثورية – في شحن النفوس وتغذية القلوب بالأمل بل يشاركان في تكوين الرأي العام وتحويله إلى عملية وعي خلابة تلعب دورا هاما في تطوير الثقافة الإنسانية وإغنائها.

وهنا تسخر كافة الطاقات الإبداعية لدى الثورين لخدمة قضايا التحرر ضمن حركة التاريخ الجدلية في صراع الطبقات المتجدد ، يقول توفيق زياد : " والمعركة من أجل البقاء في أرض الآباء والأجداد طبعت شعرنا الثوري بطابعها ، وأعطته إحدى ميزاته الخاصة . أعطته نكهة خاصة يمكن بواسطتها تشخيصه ومعرفة هويته . لقد كتب الثوريون عددا كبيرا من القصائد الرائعة التي تحمل هذه النكهة، كتبوها بحق الدم الزكي الذي روى حقول التين والزيتون في كفر قاسم ، بحق الاجسام التي تمددت أمام التراكتورات في موكب أبو الهيجا وكفر مندا وغيرها لتصون تراب البطوح الغالي ، بحق السواعد المفتولة التي تدافعت عن حدائق الرخام في الشاغور وبحق سد الصدور الذي أقامه شعبنا في كل مدينة وقرية ضد تشريد (أصحاب الهوايات الحمراء وبحق مآثر عمال الناصرة التي تحار ماذا تذكر منها)

إذن فالمدرسة الواقعية كما عبر عنها أصحابها مدرسة تنمو في معمعان الكفاح الوطني ضد الصهيونية والامبريالية وهي بذلك تعبر -فنيا -عن معركة التحرر الوطني ؛ تغرف من معين الجماهير مادتها، وترنو إلى بناء مستقبل حضاري وفق رؤية تقدمية تسير خلفها، وتتخذ من التصور السياسي مقياسا أولياً للحكم على الأدب والفن وإن كانت لا تجرد الفن من ذاتيته الفنية بيد أنها تسقط كل أدب لا يحفل بالقيم السياسية ، ومن هنا ، فإن الأديب في نظر أصحاب هذه المدرسة ملتزم بقضية الجماهير وفق الرؤية السياسية الشاملة للأحزاب الشعبية الثورية التي تمزج بين العمل المسلح والعمل السياسي في إطار" ثقافي جبار" كما يقول ماوتس تنغ

وإذا كان الاشتراكيون يرون أن الالتزام مطلوب في كل ساحات العمل الإبداعي ؛ فإن الوجوديين يفرقون بين الشعر والنثر في الالتزام؛ فيرون أن الكتابة النثرية هي مجال الالتزام ؛ لأن ميدان المعاني إنما هو في النثر ، يقول سارتر: " إننا نستطيع أن ندرك في يسر مدى حمق الذين يتطلبون في فن الشعر أن يكون التزاميا . نعم قد يكون مبعث القطعة الشعرية الانفعال أو العاطفة نفسها ، وقد يكون مبعثها أيضا الغضب والحنق الاجتماعي أو الخط السياسي ، ولكن كل هذه الدوافع لا تتضح دلالتها بالشعر ، كما تتضح برسالة هجاء أو رسالة اعتراف . والناثر يجلو عواطفه حين يعرضها في كتابته ، أما الشاعر فإنه بعد أن يصب عواطفه في شعره ينقطع عهده بمعرفتها ، إذ تكون الكلمات قد سيطرت عليها ؛ ونفذت خلالها ، وألبسها أثوابا مجازية ؛ فلم تعد الكلمات تدل عليها حتى في نظر الشاعر نفسه .

وقد استعمل سارتر عدته الفلسفية (الجامعة بين الوجودية والمنهج الظاهراتي) ، ليحلل ماهية الكتابة وعلائقها بالقراءة وبالجمهور وبحركية المجتمع وأسئلته المستقبلية، من منظور لا يقتصر على نقد السلبيات، بل يتعداه الى "أفق البناء" والبحث عن دور للأدب وللكاتب في مسيرة المجتمع والانسان نحو ما يسميه الفيلسوف كانط "مدينة الغايات". وفي خضم هذه التحليلات المعتمدة على ثقافة واسعة، نحت سارتر مفهوم الالتزام بدلالات وتلاوين متقاطعة ومتكاملة ليبعد عنه ما يتهدده من اختزال وشعاراتية. وكثيرا ما ألح على أن الالتزام" انما هو وسيلة لحماية قيمة الحرية بوصفها فاعلة في مجال تغيير كل ما يشوه حياة الانسان: "وهكذا، مهما تكن الطريق التي قادتك الى الأدب، ومهما تكن الآراء التي تنشرها، فان الأدب يقذف بك الى المعركة، فتكون الكتابة طريقة لنشدان الحرية؛ وسواء بدأت عن طيب خاطر أو مرغما، فانك ملتزم

هذا هو التصور السارتري للالتزام المنطلق من غاية فردية في نشدان التحرر والانعتاق وهو التزام مضاض للتصور الاشتراكي المبني على فلسفات سياسية واجتماعية تؤمن بتذويب الغايات الفردية اما م الحاجات الجمعية

وفي مجال الأدب العربي الحديث، لا نظن أن القضية قد أصبحت متجاوزة، وذلك بسبب عدم الوضوح الذي يطبع علاقة النقد بالنص الأدبي وبالقارئ تحت ضغط المشكلات الاجتماعية والسياسية التي تجعل معظم النقاد يتحرزون من المجاهرة باستقلالية الأدب عن الخطابات الايديولوجية. لكن واقع الابداع، في نماذجه الجيدة، يشخص نوعا آخر من "الالتزام" لا تكون فيه القيمة الفنية والرؤية الذاتية أقل من المضمون ودلالاته المختلفة.

ولا اعتقد هنا أن المدارس النقدية العربية -مهما حاولت ان تدعي إمكانية سلخ الأدب الرسالي عن غاياته الممكنة-قادرة على تجاوز الطموحات الإبداعية التي يفرضها الحجم النصي المتراكم في إبداعات الأصوليين أو القوميين الجدد على الرغم من ادعاء الكثيرين أن عصر التكتلات الإقليمية قد ذهب إلى غير رجعة أمام عالمية القطب الواحد وعولمة المثل والسياسة والاقتصاد

وإذا كانت أسئلة الثقافة الفرنسية بين الحربين العالميتين وأثناءهما، كانت تتطلع الى الخروج من مفهوم مالارمي للأدب الذي أراد أن يبتعد به عن كل غائية اجتماعية (مثلما كان عليه أيام فولتير، وكومونات باريس، وفيكتور هيجو، واميل زولا..) ليغدو الإبداع مستقلا تماما عن أي استخدام أو توجيه.

وإذا كان ذلك المفهوم الحداثي للأدب الذي دعا اليه فلوبير ومالارميه وبودلير وجوتييه وآخرون، قد لقي بعض الصدى والتأثير لدى الغربين، فان حاجة الثقافة العربية ما زالت تراوح مكانها الأزلي في ضرورة الوصول إلى استقرارات سياسية وحالة من الاستتباب الثقافي الذي يميز النوع العربي عن الوارد المحتل في معركة المثاقفة ، سيما أن المتلقي العربي لم يعد نِدّاً إضافيا في هذه المعركة لياخذ ما يشاء ويدع ما يشاء ؛ لذا فأنا ازعم أن إمكانية سلخ الأدب عن غائيته السياسية المفروضة واحدة من المستحيلات التي لا تنسحب على النوع المشرقي الإسلامي

فالإسلام الذي يحمل اعند عقيدة عرفتها النظم والديانات ،لا تقبل المساومة والانسلاخ لا يقبل هذه العلمنة الأدبية والنظام القبلي السائد في ثقافة المشارقة لا يقبل بالانفراد السارتري

حتى الغرب المتحرر لم تفلح معه تلك الدعوات ففي

بدايات القرن العشرين وثلاثينياته زعزعت تلك التصورات فقام كتاب وشعراء متعددون من أمثال شارل هوراس، وبييي دريو لاروشيل… بمعارضة تلك النداءات والوقوف في وجهها

نعم ، حاول بعض المبدعين العرب التباعد عن الايديولوجيا السائدة عقب هزيمة 1967، بيد ان ذلك لا يعني انتهاء مرحلة ونسخها لتبدأ مرحلة جديدة ، لقد تحدثت في الفصل الأول عن تحول في قصيدة المقاومة لدى بعض الشعراء وضربت أمثلة من تاريخ درويش الشعري بيد أنني لم اقل بأن الشعر المقاوم قد أفل نجمه وانتهى اجله بل اومأت إلى نوع من الإحلال الفكري وتبدل للريات ؛ حيت أن التصور الإسلامي اصبح يقود المعركة بصورة أوضح وغائية اسلم وزخم اشد

وهذا يدعونا إلى الحديث عن المدرسة الإسلامية النقدية التي ترى في الأدب –عموما- واحة رسالية ومنهجا دعويا ؛فالأدب الإسلامي أدب مسئول ؛ والمسئولية الإسلامية التزام نابع من قلب المؤمن وقناعاته؛ التزام تمتد أواصره بكتاب الله ودعوة الاسلام الخالدة

وهو أدب جميل خلاب يتناغم مع جمال الكون ويسبح بحمد الخالق ويحقق حاجات الامم ويتابع قضايا الناس، يقول الاستاذ محمد قطب في تعريفه للادب الاسلامي: " هو التعبير الجميل عن الكون والحياة والإنسان من خلال تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان".

وهو أيضا رحب الآفاق، متعدد الجوانب، فهو يشمل الإنسان بعواطفه وأشواقه وآماله وآلامه وحسناته وسيئاته، ودنياه وأخرته، كما يشمل الحياة بطرفيها من سعادة وشقاء، ومقومات وقيم، وهو يشتمل أيضاً على الكون بره وبحره وأرضه وسمائه، كما يشتمل على الطبيعة بطيرها السابح وحيوانها السارح وربيعها الجميل وشتائها العاصف وما إلى ذلك.

يقول الدكتور عبد الرحمن الباشا: (إن الأدب الإسلامي هو التعبير الفني الهادف عن وقع الحياة والكون والإنسان على وجدان الأديب تعبيراً ينبع من التصور الإسلامي للخالق عز وجل ومخلوقاته ولا يجافي القيم الإسلامية"

وعلى الرغم من وجود تيار أدبي إسلامي طويل يمتد من ظهور الإسلام إلى يومنا هذا، هناك عدد كبير من الدارسين يترددون في قبول مصطلح (الأدب الإسلامي)، أو ينظرون إليه من زاوية ضيقة وبمفهوم خاطئ.

ومعظم الدراسات النقدية والتاريخية للأدب تحمِّل الرؤية الإسلامية الناقصة والمشوهة إن لم نقل المحرفة تماماً عن أصولها.

وقد ساعد على استمرار هذه الحالة المؤسفة حقاً، غياب نظرية (الأدب الرسالي) الذي لا يعرف المساومة أو المهادنة دون الحق أبداً، ووجود كثرة المشككين والمشبهين والمبررين، الذين يثيرون مجموعة من التساؤلات التي تحمل بين جنباتها روحاً تقتل الأدب الإسلامي.

ومهما حاول المغرضون أن يقللوا من شأن هذا التيار ، إلا ان الحقائق على الارض تثبت قوة تدفقه وهدير صوته وأصالة منبعه مما يرشحه للديمومة والانطلاق وتبوؤ مكانة مرموقة في الابداع الفني

type=”text/javascript”>drawFrame()

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : Advertising & Media | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر