الحب في الادب الاندلسي
كتبهارمضان عمر ، في 16 أيار 2009 الساعة: 06:23 ص
الحب في الادب الاندلسي
بحث مقدم استكمالا لمادة الادب الاندلسي والمغربي لنيل
درجة الدكتوراة /قسم اللغة العربية
رمضان عمر
تحت اشراف الدكتور
مصطفى السيوفي
فهرس الموضوعات
· تمهيد
· قصيدة الغزل الاندلسية بين الخصوصية والتقليد
· البيئة واثرها في الغزل الاندلسي
· خصائص الغزل الاندلسي
· الحب عند ابن حزم
· اثر الاندلسيين في الشعر الاوروبي
· شاعرات من الاندلس
· الخاتمة
تمهيد
الحب لائط بالقلوب، لصيق بالنفوس، عالم لا يغادر الجنس البشري، وهو أساس العلاقة بين الجنسين" (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (الروم / 21) . "والعربي منذ فجر تاريخه الأول، كان شغوفا لطيفا، سمحا كريما، بان ذلك في بديع ما وصلنا من شعر الجاهلية، حيث شفَّت مقدمات القصائد عن لوحات غزلية عذبة شدية، فيها من الرقة والانس مايشي بان القوم وضعوا المراة في مكان علي، إلا ما كان من شأنهم من الوأد، فهو - مع قلته- يعود لاسباب جدلية، منها :خوفهم الفقر والمخازي. الا ان ما ورد من شعرهم، وفصيح قولهم، يدلل على أن القوم ذاقوا لوعة الشوق، وعرفوا مرارة العشق،وتشربت أفئدتهم عبائق النسيم والهوى، فبكوا واطالوا المكث على الاطلال ، حتى كان ذاك النسق الطللي لازمة من لوازم ابداعهم.
ثم جاء الاسلام، فهذب أخلاقهم، ورد ما فيها من شذوذ الى واحة الاسلام الصافي، فصفت نفوسهم، ورقت افئدتهم، حتى ملئت خشية ووقارا، فنما في وجداناتهم حب عفيف، وسرى في ضلوعهم شوق لطيف، اتم له صرحه في عهد بني امية، ثم بعدت الشقة بينهم وبين تعاليم الاسلام الحنيف،وانغمسوا في جحيم الملذات، واختلطت المشارب بالفرس والروم، فعادوا لما كانوا عليه في جاهليتهم، بل زادوا على ما كانوا عليه؛ فكان الغزل بالمذكر، ونمت بينهم نزغات شيطانية لاهية، حتى ضلوا وأضلوا ،ثم ردوا في غيهم خاسرين فضاع مجدهم التليد، واندثر زهوهم المجيد، وانهارت ماثرهم العلية، وهذا منطق تاريخي معروف، سيرة القران في الحكم ،فقال جل من قائل:
" واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا"[1]
ولما ضاع مجد الامويين في المشرق، ضربوا في الأرض،يبحثون عن مآوى يأويهم وبلاد تحتويهم، فاستقبلتهم الجزر الخضراء،الوارفة الظلال ببساتينها وانهارها، فاطالوا فيها مكثا، واقاموا فيها ملكا ما ابتغى لغيرهم من قبلهم، وفتحت لهم الاسباب الكثيرة بوابات من اللهو والغناء فهاموا على وجوههم، وانغمسوا في شهواتهم، وتراقصت مفاصلهم بما هي لهم ،فكان الحب ديدن حديثهم وسجل شعرهم ونثرهم، فمثلوه خير تمثيل وسقوه بعذب حديثهم، ورقة سجاياهم، واختلط المشرق العربي بالنقاء الاندلسي والرقة الاوروبية، فانجبت جنونا شيقا، وعالما رومانسيا خافقا، كان له ما يعده وهذا ما سنتناوله في هذا البحث ان شاء الله.
فطرية الحب
والانسان بطبعه يدرك الجمال بصورة ما، ولعل جميع بني الانسان لهم هذه المقدرة على ادراك صفة الجمال "
والجمال ينبع من النفس، ويرجع الى الظروف النفسية التي تحيط بالانسان، وقد ادرك العرب الجمال، وتذوقوه، ادركوه في الطبيعة وادركوه في المرأة بل ادركوه في القول، حيث ان العربي كان شاعرا بطبعه .
اما جمال المرأة الجسدي فقد ادركوه بحواسهم، وجاء ذلك في وصفهم فكان انفس الوان الجمال واغلاها واشدها تأثرا على النفوس ، حتى ان الحسن البصري قال : " النظر الى الوجه الحسن عبادة " [2].
وقد استحسن العرب في المرأة الوضاحة والصباحة والهيف والرشاقة والخفر واحبوا ان تكون رشيقة الهيف ضامرة الكشح، ممتلئة الردفين بارزة النهدين ……..ألخ
وهي فتانة لا يستطيع الحليم الرزين ان يصرف نظرة عنها :
اذا قلت هاني نوليني تميلت على هضم الكشح ريا المخلخل
مهقهفة بيضاء غير مطاحنة ترائبها مصقولة كالسجنجل [3].
اما عن جمال المرأة النفسي والخلقي، وقد اشتهرت العربية بالعفة، وكان حياؤها وثيق الصلة بعفتها وتصونها
قال اوس بن حجر: ان ضحكتهن تبسم ، وهن في بيوتهم مستورات
نواعم ما يضحكن الا تبسما الى اللهو قد مالت بهن السوالف [4]
وقال حاتم الطائي :
بطيئ لها البيت الظليل خصاصه
اذا هي يوما حاولت ان تتبسما [5]
ويصفها عنترة بانها عفيفة الطرف
ابن حزم والحب
وقبل ان نسير في واحات الاندلس،وننهل من أنهارها العذاب، وقطوفهاالدانية الرطاب، ومجالس اللهو والغناء لدى الشعراء والكتاب،ونقف على فيصل القول وفصل الخطاب ، في اخبار الحب والاحباب، وما كان من امر القوم في في الغرام والهيام ، نقف عند احد فلاسفتهم ؛ علنا نصل من خلال منهجه الى ما يعين في فهم انتاجاتهم ، وبيان سر لوعتهم بهذا اللون ، وغاية استجابة نفوسهم للواعج الهوى والغرام.
فقد حدثا ابن حزم عن اخبار المحبين في الاندلس سواء اكانوا خلفاء او امراء ، او وزراء ،أو علماء ، او شخصيات و وجيهة اخرى، ولكن ابن حزم آثر ان لا يسمي ابطال قصصه مخافة ان يفضح بعض المحبين وقد فرق ابن حزم في كتابه بين صنفين من المحبين : الخلفاء والرؤساء ، والعامة من جهة ثانية، وقد بث ابن حزم بعض ارائه في العشق ، نذكر منها:-
" من حميد الغرائز ، وكريم الشيم ، وفاضل الاخلاق في الحب وغيرة الوفاء وانه من اقوى الدلائل، واوضح البراهين على طيب الاصل وشرف العنصر" [6].
" ومن وجوه العشق الوصل، وهو حظ رفيع، ومرتبة سرية، رجة عالية ، وسعد طالع بل هو الحياة المجددة والعيش السني والسرور الدائم ورحمة من الله عظيمة " [7]
ويعتبر ابن حزم واحدا من أوائل من عالجوا فلسفة الحب وفق رؤية نفسية ابداعية جاعلا من تجربته الذاتية والتجارب الصادفة التي عاينها في عصره ساحة للمسح والتشريح ومدادا للاستقراء العلمي والمنهج العقلي ، فتناول في كتابه طوق الحمامة خفايا النفوس ، وسلوك العشاق ، ورد الظواهر النفسية الى بواعثها .
وتكمن أهمية كتابه ( طوق الحمامة ) بانه كتاب صادر عن فقيه يعرف حد الحلال والحرام ، بيد انه ادرك فطرة النفوس كما فطرها الله ، فدل عليها بما هداه الله من علم واستكنه اسرارها بما أوتي من خبرة ، فجاء حديثه عن العشق والعشاق حديث العالم المعلم والمربي المهذب لا حديث المارقين والعابثين ولطالما استشهد في تحليله النفس لقول لرسول الله او صحابته الابرار او عن مآثرة عن فيلسوف مشهور ليبين ان اساس الحب المشاكلة في الطبائع واساس الكراهية تنافر الصفات .[8]
والجميل في منهج ابن حزم الفقيه ، هذا المزج الابداعي الطريف بين الذائقة الفلسفية والرؤية الاسلامية ، وهذا ما جعلنا نفرد له جزءا من عنوانات هذا البحث لنأكد ان موضوع الحب ليس موضوعا ناشزا في فن الادب ، وان شذ فيه بعض الادباء وشطوا وقالوا فيه ما ليس منه متجاوزين بذلك تلك القيمة الفطرية الاعتدالية التي تجعل من موضوع الحب قيمة انسانية علية لا سقطة حيوانية شهوانية .
قصيدة الغزل الاندلسية بين الخصوصية والتقليد
اكتسبت القصيدة الأندلسية ملامح خاصة، تظافرت في تكوينها عدة عوامل، حيث لعبت عبقرية المكان، وطبيعة الانسان، وتجليات الزمان -في فترة ما- دورا بارزا في تشكيل هذه الملامح؛ مما ميزها عن القصيدة المشرقية، فمع ان جل فرسان الشعر الاندلسي - الذي نتناوله في بحثنا هذا- هم مشرقيو الاصل واللغة، الا ان أرض الاندلس ذات الاكمام،والعصف والريحان، والانهار والوديان، قد لعبت دورها في تغيير ما جبل عليه هذا الانسان الوافد، بعد ان استقر له المقام في خدرها المكنون.
وتنبع أهمية هذه القصيدة الاندلسية العربية كونها فرعا من شجرة الشعر العربي، احتفظ بأصول المنهج المشرقي من نحو، لكنه صبغ بذائقة خاصة. واذا كان الشعر الجاهلي قد صبغ بطابعه الصحراوي، وتميز شعراؤه بصفات الصرامة والفروسية والاقدام؛ فان القصيدة الاندلسية الغزلية قد صبغت بتأثيرات متعددة من خلال السلالات المختلفة والحضارات المتعددة ،والمناخ الاجتماعي المميز، فجاء الادب في هذه الحقبة الزمنية، والبقعة المكانية مصطبغا بصبغة الذائقة الاندلسية. والقصيدة الغزلية الاندلسية تزامنت مع القصيدة العربية العباسية؛ مما شكل نقاط التقاء عديدة بينهما في البنية والموضوعات، بفعل وحدة المنبع ، بيد انه لم يعدم نقاط تبان في تطور شكل القصيدة وفي الموضوعات ايضا.
وكثيرا ما ولع شعراء الاندلس بمحاكاة اترابهم من المشاركة او معارضتهم، وابن عبد ربه له في هذا أبيات كثير مستطاب منه ما جاء من قصيدة يعارض فيها مسلم بن الوليد في قوله:
اديرا على الراح لا مشربا مبكى
ولا تطلبا من عند قائلي زحلى
حيث يقول:
اتقتلني ظلا وتجحدني قـــتلى وقد كان من عينيك لي شاهدا عدل
أطلاب زحلى ليس بي غير شادن بعينيه سحرفاطلبوا عنده زحلى
أغار على قلبي فمـــــا أتيته أطالبه فيه ، اغار على عقلي
بنفسي التي صنا برد سلامـــها ولو سالت قتلى وهبت لها قتلى
ظاهرة التقليد عند ابن عبد ربه تكشف لنا عن اصرار الاندلسيين - في هذه المرحلة- على مواكبة الحركة الشعرية الاندلسية ،ومحاولة اثبات الذات من خلال الارتباط بالاصل، واللحوق في ركب المنافسة الابدلعية، وبدا ذلك من خلال تركيزه في ابداعاته على تمثل الثقافة الشعرية العربية الاصلية، فيجد القارئ في اكثر من قصيدة غزلية رغبة الشاعر في ان يورد بيتا لاحد شعراء المشرق العربي في خاتمة قصيدته.
يقول ابن عبد ربه:
بيضاء مضمومة مقرطقة تنقد عن نهدها قراقطها
كأنما باي ناعما جدلا في جنة الخلد من يعانقها
واي شيء الذ من امل نالته معشوقة وعاشقها
دعني امت من هوى مخدرة تعلق نفسي بها علائقها
من لم يمت عطية عن هرما الموت كأس والمرء ذائقها
فالبيت الاخير ينسب الى ابن ابي الصلت
وقد شبه بعض الشعراء الاندلسييباعلام الشعر المشرقي مثل ابن دراج القسطلي الذي شبه بالمتنبي ، قال عنه ابن بسام في الذخيرة " كان ابو عمر القسطلي ….لسان الجزيرة شاعرا واولا . حين عد معاصريه من شعرائها المشهورة ، واخر حاملي لوائها ، وبهجة ارضها وسمائها "
اما الثعالبي فيقول عنه: " بلغني ان ابا عمر القسطلي كان عندهم يصقع الاندلس كالمتنبي بصقع الشام ، وهو احد شعرائهم الفحول هنالك " .
ومن لطيف شعره في الغزل
فما تجاوزت قرن الموت معتسفا
الا وقرني رخيم الدل بارعه
لم اخلع الدرع الا حين شققه
عن صبح صدري ما تحمى مدارعه[9] .
والتقليد في قصيدة الحب الاندلسية أمر طبيعي، ذلك ان الافواج العربية التي نجحت في فتح الاندلس واستقرت فيه، هي مجموعات من أبناء المشرق، وكان طبيعيا ان يسير العرب الفاتحون في منهاج حياتهم وفقا لعاداتهم وطبائعهم التي ارتحلت معهم في رحلة الفتح، وان يعبروا باشعارهم عن انفعالتهم، ويصوروا المرحلة التي يعيشونها وفقا للاسلوب الذي نشاؤوا عليه.[10]
ولكن التطور الشعري للقصيدة الغزلية الاندلسية كان له ما يبرره ،ايضا حيث ظهر شعر الحنين مصاحبا لقصائد الغزل، وكان طبيعيا –أيضا- ان تتطور البنية الداخلية للقصيدة مع شكلها الخارجي، فبينما كان شعر المرحلة الاولى يحذو حذو المشرق في القالب الشعري؛ فيعنى بجزالة اللفظ، وفخامة العبارة، ويميل الى البداوة،نجد ان شعر المرحلة الثانية اكثر تعبيرا عن ذاته، وقد عنى بسلامة اللفظ وبساطة العبارة، ومال الى الحضارة، وهذا جلي واضح في شعر ابن زيدون:
ما جال بعدك لحظى في سنا القمر الا ذكرتك ذكر العين بالأثر
ولا استطلت دماء الليل من أسف الا على ليلة سرت مع القصر
فهمت معنى الهوى من روح طرفك لي ان الحوار لمفهوم من الحور [11]
هذا التعبير الارجواني الراقص العابث في دل وعسجدية ، يفتح مسامات الطيف على رحيق التجربة الوجدانية، ليكشف عن باطن شبقي عنيف، اما الارتياح في بنية القصيدة المتمثل في اللفظ والاسلوب، فذلك من ابرز ملامح تفاعل البيئة والشعر؛ فالبيئة الاندلسية اضافت شروطا في المجالات الادبية حيث حظيت القصيدة الغزلية بأثر واضح من أثار الطبيعة. وازهارها المزهوة، واضحت خصبة المعاني وافرة المضامين كما كانت خصبة الارض ووافرة المياة [12].
وابن زيدون استاذ الحب الاندلسي بلا منازع قال عنه ابن بسام في الذخيرة: كان ابو الوليد صاحب منظوم ومنثور، وخاتمة شعراء مخزوم ،وسع البيان نظما ونثرا ، الى ادب ليس للبحر ترفقه ولا للبدر تألقه ، وشعر ليس للسحر بيانه ، ولا للنجوم الزهر اقترانه[13].
وهنا تتجلى مكانة المراة في المجتمع الاندلسي، حيث نظر اليها الاندلسيون نظرة اكثر اهمية من المشارقة، وقد تحدث لسان الدين ابن الخطيب عن جملة هذه العوامل التي ادت الى تطور القصيدة الغزلية قائلا:
" في الاندلس زادت روعة الغزل، ما ابدعه الشعراء من مزج حبهم للطبيعة بحبهم للمرأة وحبهم للوطن، فاخرجوا روائع بهرت بها النفوس واطربت الاذان. [14]
الطبيعة واثرها في شعر الحب
ذكر المغربي في نفح الطيب نقلا عن الحجاري في المسهب مفسرا شاعرية الاندلس " ان اهل الاندلس هم اشعر الناس فيما كثره الله تعالى في بلادهم وجعله نصب اعينهم من الاشجار والانهار والطيور والكؤوس لا يتنازعهم احد في هذا الشأن [15] .
ولا شك ان عامل الطبيعة له اثر في بناء النفسية ،ومنطق الاستجابة لوافد التاثير النفسي والوارد في عالم المشاعر ، فالشعر من الشعور ، والشاعر انما يستجيب لعالمه الشعوري في وعيه او لا وعيه ،
"ومن هنا فقد كان لجغرافية بلاد الاندلس وطبيعتها المحسوسة التي تفاعل الشاعر العربي معها بعد انتقاله من شبه الجزيرة العربية اكبر الاثر في ازدهار هذا اللون الشعري الغزلي.[16]
فقد تميزت هذه البيئة الجغرافية التي تفاعل معها الشاعر العربي بالاندلس بنغمة السهولة؛ فالطبيعة الغناء تظهر للعين اقصى ما يرمي اليه البصر، والتلال والجبال متناغمة بتلقائية مع الوديان، والالوان زاهية ومتناغمة، وقد تطابقت هذه السهولة على طبيعة اهل الاندلس وامزجتهم بتخير الذوق السليم في المأكل والمشرب، وتوازن المجتمع في عاداته واهتماماته، حيث يقول ابو بكر الطليطليي
يأبى غزال غازلته مقلتي بين الغريب وبين شطي بارق
وسألت منه قبلة تشفي الجوى فأجابني فيها بوعد صادق [17] .
اما قصيدة بن زيدون في ولادة التي سنجعلها انموذجا لدراسة بنية القصيدة الغزلية فهي من الشهرة بمكان حيث انها شاعت في البلاد وطارت بالعباد، واشتهرت شهرة بالغة وعارضها غير واحد في حياته وفي مماته وممن عارضها من الاندلسين ابي بكر بن الملح الذي يقول :
هل يسمع الربع شكوانا فيشكينا
او يرجع القول معناه فيغنينا
ومن المحدثين شوقي الذي يقوِل في قصيدته :
يا نائح الطلح اشباه عوادينا نشْجى لواديك أم نأسى لواديـنا
وقد ذكر الدكتور صلاح جرار ان المعارضين هذه القصيدة ناف عن العشرين [18]
هذه القصيدة تعكس ما وصل اليه الذوق الاندلسي من تمثيل حياة اللهو،ودوافع العشق ، ذاك ان المجتمع الذاي عاشه ابن زيدون كان انفتاحيا الى حد السفور ،فاتنا حد الولعة والضياع ، رقيقا حد الميوعة والانبهار.
وهذه القصيدة تتألف من مجموعة من الوحدات المترابطة ومطلعها يشي بحالة اعلان نفسي لنعي زمن الوصل وذلك من خلال قوله : -
اضح التنائي بديلا من تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا
اما التمني الذي جاء غير مرة في ثنايا القصيدة فله ما يبرره، وذلك بعد ان انقطع ما كان موصولا وجف ما كان ساقيا، ولا يخلو هذا التمني من عتاب كقوله : -
يا ليت شعري ولم نعتب اعاديكم
هل نال حظا من العتبى اعادينا
وعندما تقترب صورة الماضي من مخيلته تشده لوعة الحنين وشدة الوجد فيؤكد المواثيق لولادة
لا تحسبوا نايكم عنا يغيرنا ان طالما يغير النأي المحبينا
وتأتي قيمة هذه القصيدة من كثرة استعمال الكنايات والاستعارات والتشبيهات التي تجات بوضوح في القسم الثاني الذي اشتمل على مضمون الرسالة التي اراد ابن زيدون ان يرسلها مع البرق ونسيم الصبا …حتى آخر القصيدة ؛ وذلك كقوله :
ان كان قد عز في الدنيا اللقاء بكم في موقف الحشرنلقاكم وتلقونا .
وايضا قوله :
كأننا لم نبت والوصل ثالثنا
والسعد قد غض من اجفان واشينا
سران في خاطرالظلماء يكتمنا
حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
أما لغة القصيدة ومعانيها فهي رقيقة رقة ابن زيدون سيمحة سماحة طبعه فهو يجتذب الغرب والشرق لحسن ديباجة نظمه وسهولة معاينه فهو يجري في شعره على طبعه كالبحتري في المشرق ، وهذا ما يفسر ما وقع من تلقائية في الفاظه.
والحقيقة ان البحتري له قصيدة جرت على وزن قصيدة ابن زيدون ، في الوزن والقافية وهي في رثاء الخليفة العباسي الموفق ابي احمد طلحة ابن المتوكل .
واذا كانت الطبيعة الاندلسية قد أثرت في لغة القصيدة؛ فان البيئة الاجتماعية الاندلسية قد صبغت القصيدة الغزلية بمسحة اللهجة الدارجة مع مرور الزمن حيث غدا الاندلسيون يستخدمون التعبيرات والمصطلحات التي لم يعرفها العرب المشارقة.
( فقد انشد محمد بن غالب الرصافي )
قالوا وقد اكثروا في حبه عذلي لو لم تهم بمذال القدر مـبـتـذل
قلت : لو ان امري في الصباية لي لاخترت ذاك ولكن ليس ذلك لي غزيل لم تزل في الغزل حائلة بناية جولان الفكر في الغزل [19]
وعلينا ان نعترف هنا ان شعر الغزل يعد اكثر فنون الشعر التي طرقها الشعراء الاندلسيون ، فما من شاعر الا وقد أدلى بدلوه فيه، وقد استطاع الشاعر الاندلسي ان يرسم حبه ولهوه بابيات تحسب من اجمل الشعر الاندلسي .وما ذاك الا من اثر البيئة المشرقية الزاهية في اذواقهم ،ثم ان الاندلس كان لها حظ كبير من الجمال البشري كحظ بيئتها من الجمال الطبيعي ، مما استرعى انظار العرب ونية عواطفهم فقالوا في الغزلما قالوا ، ووضعوا الجمال الفائق الذي ملك اغنية قلوبهم شعرا ، فيه شيء من الصدق ، وكثير من العاطفة .
ابن عبد ربه يتغزل في فتاة مولد، ويكشف لنا علم ملائكي منالجمال الفريد :
يا لؤلؤا يسبي العقول انيفا ورشا بتقطيع القلـوب رقيقا
ما ان رأيت ولا سمعت بمثله ورأ يعود من الحياء عفيفا[20] .
ويصف ابو زكريا يحي بن صفوان فتى
توحد في الحسن من لم يزل بثلث والقلب في صدره
يشف لك الماء عن كفه ويصرخ النار من حره [21]
ولا نستطيع ان نغادر هذا المقام قبل ان نعرج على ابن خفاجة شاعر الطبيعة في الاندلس
ومن روائعه قوله :
أمقام وصل ام مقام فراق فالغضب بين نصائح وعنان
خفاقة ما بين نوح حمامة هتفت ودمع غماقه مهران
عبت بهن يد النعامي سحرة فوضعن اعناق على اعناق [22].
وله ايضا : -
يا منية النفس حسبي من تشكيك ألي اصاب وكف الدهر ترمين
ولو تسامح خطب في فدائك لي لكنت مهما عزا خطب افديك
وكيف اغف بليل تسهرين به او استسيغ شرابا ليس يرويك [23]
مجالس الشعر والغناء
تحكي لنا الرويات ان المعتمد ابن عباس جلس يوما للشرب وبين يديه ساقية جميلة فلما لمع البرق اتاعت ووجلت فقال:
روعها البرق وفي كفها برق من القهوة لماع
عجبت منها وهي شمس الضحي كيف من الانوار ترتاع
ولن تعجب من آني من مثل ما يمسك يرتاع
ولا ننسى القصة المشهورة ذكرها كثير من الرواة عن المعتمد ابن عباد عندما كان يسير مع وزيره ابن عمار ولقد ركب النهر يوما للتنزه فمرت الريح وازدرت صفحة الماء فقال لابن عمار نع الريح من الماء زرد فلم لم يستطيع الوزير ان يجزي البيت ارتج عليه ، بادرت جارية كانت على شاطئ النهر قائلة اي درع لقتال لو جمد
فاعجب بها وتزوجها وهي الرميكية المشهورة التي تمنت في قصر المعتمد لو عجنت الطين بقدميها كما كانت تصنع قبل البهة العز الذي صارت اليه فنثر لها الكافور والعنبر حتى تصنع ما تريد وفي الحادثة ما يدل على ترف بالغ واسراف جاوز الحد .
وقد ساعد شغفهم في الموسيقى والغناء على تطور هذا الفن وتوسع مداركه ولا ننسى استاذ المغنين " زرياب " الذي اغرم بفنه حتى انه ادعى ان الجن هي التي تعلمه وكان يهب من نومه فيدعو جاريته ويأخذ عوده ويطايحها ويكتب الشعر ثم يعود الى مضجعه .
وخلاصة القو ان انصهار الغزل الاندلسي بمحاور التشكيل الابداعيه الثلاثة 1- الطبيعة الساحرة2- العقلية المنفتحة 3- وخفة الروح التي شكلت نسقا تعبيريا في قصيدة الغزل الاندلسية وان نغادر هذا الباب حتى نقف على بدائع ابن زيدون التي مثلت قمة التألق الشعري لثنائية الغزل واللهو دون ان نفقد لوعة الحنين وصق العاطفة .
وينتناول في هذا الباب نونيته المشهورة . ولكننا قبل ان نقف حيالها نمر على بعضض لطائفه الذي بثها في ديوانه علنا نرسم ملامح صورة وردية زاهية لروح خفيفة وارفة الظلال .
هل لداعيك مجيب ام لشاكيك طبيب
يا قريبا حين ينأى حاضرا حين يغيب
كيف يسلوك محب زانه منك حبيب
انما انت نسيم تتلقاه القلوب
قد علمنا علم ظن هولا شك مصيب
ان سر الحسن مما اضمرت تلك الجيون
امراء الاندلس وشعر الغزل
عنى امراء الاندلس بالغزل ايما عناية ، واستطاعت فتيات الاندلس ان تستهوي امراءها ، فتنازلوا عن كثير من جلالهم ومن ظريف ما قاله ابن عبادالذي يعد أقوى ملوك الطوائف وابعدهم شهرة .
ولقد شريت الراح يسطع نورها
والليل قد مد الظلام رداء
حتى تبدى البدر في جوزاته
ملكا تناهي بهجة وبهاء
وتناهضت زهر النجوم يحفه
لالاؤها فاستكمل الالأ
"وقد اجتمعت لهذه الطبقة الماجنة طبيعة ساحرة ، ونفوس نسفها الوجد فنزفت شعرا رقيقا في مجالس الشرب والغناء ورأينا الشعراء الاندلسين نبج بهم صالونات الترف وتتيه بهم في مجالس اللهو "
فالروايات تتواتر بان المنصور بن ابي عامر كان له مجلس في كل اسبوع يجتمع فيه اهل الادب والعلم والمناظرة
كما كان للمعتمد دار مخصوصة بالشعراء وديوان فيه اسماؤهم .
مجالس الحب واللهو
مثلت مجالس اللهو والطرب ، مجالس الانس والحب نقلة نوعية في تاريخ القصيدة الغزلية الاندلسية ، وان نظرة سريعة الى ما جرى بين ابن زيدزن وولادة ، ليؤكد هذه الحقيقة المرعبة في طبيعة الانفتاح لدى القوم ، حتى ان المسؤولية في قرطبة قد اقاموا بعد تسعمائة عام على وفاة ابن زيدون نصبا تذكاريا يحمل كفين متلامسين ، ليجسد بذلك ما كان ما بين ابن زيدون وولادة ، وكان ذلك عام 1971 م وقد اختيرت الابيات التالية وهي لابن زيدون وولادة :
اما ابيات ابن زيدون فنقرأ :
يا من غدت به بالناس مشتهرا
قلبي يقاسي عليك الهم والفكر ا
ان غبت لم القى انسان يؤانسي
وان حضرت فكل الناس قد حضر
بينما اختاروا لولادة قولها :
اغاروا عليك من عيمي ومني
وفيك ومن زمانك والمكان
ولو اني خبئتك في عيوني
الى يوم القيامة ما كفاني
اثر الحب الاندلسي في الغرب
لم تتغير نظرة المجتمع الأوربي تجاه المرأة إلا بعد احتكاك رجال الفكر الأوربيين والشعراءالبروفنسيين في جنوب فرنسا بأدباء الأندلس وشيوخها. فظهور شعر الحب المؤانس في جنوب فرنسا في بداية القرن الثاني عشر الميلادي، كان اللبنة الأولى التي جعلت المرأة الأوربية تتبوأمكانة مرموقة في المجتمع البروفنسي والأوربي في ذلك الوقت.
غير أن الكنيسة عارضت بشدة هذا النوع من الحب الذي يمجد المرأة ويجعل الفارس يخضع لإرادتها، واعتبرت ذلك خروجا عن تعاليمها، فحاربته بشتى الوسائل وحتى بالشعر نفسه. لقد جندت بعض الشعراء الموالين للإكليروس لمعارضة شعر السيدة الغنائي بشعر مغاير يتغنى بالسيدة العذراء، ولما لم تفلح، تواطأت مع ملوك إفرنجة على احتلال الجنوب. لقد شن الإفرنج حرباشرسة على البروفنس، هي الحرب الصليبية الألبيجية التي دامت من سنة 1209 إلى غاية سنة
1229 للميلاد، وراح ضحيتها آلاف الأطفال والنساء والشيوخ. وقد أدى ذلك إلى انحطاط الآداب الأوكسيتانية في المنطقة بعد عصر ذهبي دام قرنين من الزمن.
أما في بلاد الأندلس فالمرأة كانت دوما جزءا من المجتمع، وعضوا فعالا فيه. فقد تقلدت مناصب سياسية، وامتهنت التجارة وعبرت عن رأيها كما استشيرت في أمور شتى. وقد تغزل بها الشعراء وهاموا بحبها منذ بداية الشعر العربي، وكثيرات منهن كن أديبات وشاعرات وعالمات وموسيقيات.
ومن الطبيعي أن تتبوأ المرأة هذه المكانة في المجتمع العربي الإسلامي ما دام لإسلام يدعو إلى حماية المرأة واحترامها. ومن مبادئ الإسلام أيضا احترام الآخر وصيانة حقوقه، وهذا الآخر في الإسلام ليس فقط المسلم، وإنما أي إنسان مهما كان نسبه ولونه ومعتقده. لذا وجدنا الكثير من الأندلسيين على اختلاف طبقاتهم يتزوجون من عجميات إسبانيات وإفرنجيات، فأمهات الأمراءوالخلفاء في الأندلس كن أغلبهن من العجميات.
ولم يكتف الأندلسيون بالزواج من العجميات وحسب، بل هناك من أحبهن وهام في غرامهن. لقد وصلت إلينا أشعار كثيرة نظمها شعراء أندلسيون وصقليون في فتيات مسيحيات، يتغزلون بهن ويتذللون لهن مثلما يفعلون مع المسلمات. إذ لم يكن الاختلاف في الدين عائقا في وجه هذهالعلاقات العاطفية، لأن الطوائف الدينية الأخرى كالمسيحية واليهودية، لم تعان من أي تمييز في المجتمع الأندلسي في ذلك الوقت.
لقد ارتبط شعر ابن الحداد الذي قاله في "نويرة" بالدين المسيحي، فهو يستحضر كل ما يتعلق بهذا الدين حين يتذكر حبيبته، ويناجيها في حلمه، ومن ذلك قوله:
عساك بحق عيساك مريحة قلبي الشاكي
فإن الحسن قد ولا ك إحيائي وإهلاكي
وأولعني بصلبان ورهبان ونساك
ولم آت الكنائس عن هوى فيهن لولاك
وها أنا منك في بلوى ولا فرج لبلواك
( ولا أستطيع سلوانا فقد أوثقت إشراكي
ومن خلال هذه القصيدة، نرى أن هذا الحب كان أقوى مما تمليه الأعراف والتقاليد، فلم يكترث ابن حداد لشيء لما أصبح يتردد على الكنائس، بل ويمدح دين حبيبته حتى أعتقد أنها أوثقت إشراكه.وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن الحب عند العرب لم يعرف حدودا إقليمية أو عقائدية.ولم يصل الأمر بابن الحداد إلى هذا الحد، بل كان يبحث عن الألفاظ الدالة على المعاني المسيحية
ويبني عليها قافيته. وقد بالغ كثيرا في توظيف المعاني المسيحية واستخدام الألفاظ الدالة على ذلك.وقد أبدع أيضا عند ما استغل هذه الألفاظ في المحسنات البديعية. غير أن اتجاهه في هذا النظم كان يختلف عن شعراء الحب الآخرين، فرغم الصراحة التي تتسنى من خلال شعره، إلا أنه انتهج أسلوبا فلسفيا لا يدرك مقصده من غير الطبقة الخاصة، ومثل هذا الأسلوب يحد من انتشار قصائده في أوساط الطبقات الأخرى من المجتمع.ولم يكن ابن الحداد وحده من هام بحب مسيحية، بل كثير هم الأندلسيون والصقليون من تعلقوا بهوى مسيحيات، فمنهم من وصلت إلينا بعض أشعارهم ومنهم من لم تصل بسبب الضياع. ومن هؤلاء الفقيه أبو موسى عيسى بن عبد المنعم الصقلي الذي هام حبا بفتاة مسيحية. وجاء في"الخريدة" أنه كان كبير الشأن ذا الحجة والبرهان وفقيه الأمة، فمن بديع قوله في الغزل:
يا بني الأصفر أنتم بذمي منكم القاتل لي والمستبيح
أمليح هجر من يهواكم وحلال ذاك في دين المسيح
يا عليل الطرف من غير ضني وإذا لاحظ قلبا فصحيح
كل شيء بعد ما أبصرتكم من صنوف الحسن في عيني قبيح
ويذكر أن أبا موسى هذا عاش في عهد النورمان، وكان ملكهم روجار الثاني قد رعى الشعراء منكلا الجنسين، وكان جيشه يتكون من مسيحيين ومسلمين، وكانت اللغة العربية تستخدم إلى جانباللغة الإغريقية في البلاط. وإلى جانب شعراء الغزل، كان هناك أيضا شعراء مسلمون نظمواقصائد في مدح روجار ووصف قصوره وحدائقه ورثاء أفراد أسرته.
وحين نقرأ حياة " التروبادورز " نجد فيها ما يؤيد هذا القول ذلك ان " التروبادورز " عايشوا الحياة الادبية في ارضهم وبلدهم ثم عايشوها بحبهم للفتيات العربيات كما في حياة قصة " وليم اوغاليم " التي وجدت له اشعار مكتوبة في هذا الموضوع وكانت له علاقة وثيقة بدنيا العرب ولا يستبعد ان يكون هذا الرجل على علم باشعار وحكايات الحياة العربية مما دفعه الى حمل الصليب وذهب مقاتلا على رأس حملة الى الشرق.
وربما كان في اتصال العرب واحتكاكهم باوروبا مع تفوق الفكر العربي وتخلف اوروبا خلال العصور الوسطى، جعل الاوروبين يتأثرون بالعقلية العلمية الفلسفية والفنية والعمرانية العربية .
ولا عجب ان نقرأ في بعض اشعارهم ما يدلل على عمق تأثرهم بالطبيعة المشرقية فهذا الاديب " اندرياس " يقول :
انه الحب الطاهر الذي يوثق قلوب المحبين
ويملؤها غبطة . هذا الحب الذي قوامه التأمل الفكري والميل القلبي ، يسمح بالقبلة والعناق ويستغني عما هو أبعد ، اذ لا يسمح به لمن يحب حبا ظاهرظاهرا عفيفا .[24]
وهذا الذي ذكرته لك من شعرهم قريب من شعر العذريين عدما يقول جميل بن معمر :
هي البدر حسنا والنساء كواكب وشتان ما بين البدر والكواكب
لقد فضلت حسنا على الناس مثلما على الف شهر فضلت ليلة القدر [25]
وايصا يجد القارئ في اشعارهم ما لدى المشارقة من دلائل التمتع والدلال والجمال والجلال، فهذا "برنارد " يصف حبيبته بالجمال ولكنه يتهمها في الوقت ذاته بالبرود والبخل:
" ايتها المخلوق الحلو الساحر، البخيل اللطيف ، المتكبر ، المليح الجميل فوق ما ينبغي ، يا حبيبتي التي لا احب سواها ، اسألك باسم الرحمة فقط ان تشفقي علي [26].
والحب عندهم تهذيب للعاشقين واكتمال خلقه وشخصيته" يقول اندرياس: " ان الحب يحول الرجل الفظ الغليط الى ظريف لين العريكة ويزود الرجل الوضيع المنشأ بالخلق النبيل .
يعتبر الحب الذي عبر عنه " التروبادورز " في اشعارهم ثورة حررت المرأة الاوروبية من مفاهيم العصر الوسيط ، فالمرأة تعد تلك الثورة اداة لاشباع غريزة الرجل، او مجرد مربية لاطفاله ، ولم تعد خادما مطيعة أو اختا قانتة.
كانت في العصور المسيحية الاولى ولا شيطانيا رجيما كما هي بنظر الكهان .
لم تعد المرأة هذا ولا ذاك، بل اصبحت هدفا ساميا ومثلا عاليا يسعى اليه الرجل باذلا ومضحيا ومتحليا بكل ما يتحلى به الرجال من خصال .
"الترويدور (ديمارويل ) يرى ان حبيبته تفوق الاخريات جمالا كما يفوف ضياء الشمس ما عداه :-
جمالها غلب كل جمال سواه
كما فاق ضياء الشمس كل ضياء عداه [27].
شاعرات الاندلس
شاركت المرأة الاندلسية في مختلف النشاطات الاجتماعية والفكرية والسياسية، وكان لها دور بارز في تلك النشاطات، واثر ملموس في هذه الحياة، وذلك كله عائد الى درجة الحرية التي تمتعت بها.
اما في مجال الادب،فقد شاركت المرأة بصورة فاعلة وتنوعت مشاركاتها شعرا و نثرا وموشحات ومساجلات ومعارضات وفاقت شهرة بعضهم شهرة شهرة سواهن ن وقد احصى بعضهم خمسا وعشرين شاعرة اندلسية موزعة على مختلف عصور الادب ومن هؤلاء : حسنة التميمية ابنت الشاعر ابي المخشي التي عاشت ايام الامير الحكم بن هشام ، وابنة عبد الرحمن الاوسط ، ومنهم- ايضا –عائشة بنت احمد القرطبية، وكانت خطاطة تكتب المصاحف، وتمدح الملوك والرؤساء ، وحفصة بنت حمدون الحجازية ولها شعر كثير لم يصلنا منه الا القليل .
ومن اشهر هؤلاء الشاعرات ولادة بنت المستسكفي، وقد دفعت مشاركة المرأة في النشاطات الادبية في الاندلس الاديبات الى مصاحبة الرجال وحضور مجالسهم الادبية والانخراط في المساجلات والمطارحات الشعرية .[28]
اما ولادة بنت الخليفة،فقد كان لها مجلس ادبي في قصرها في قرطبة يحضره الشعراء والكتاب من ارجاء الاندلس قاطبة. وفيها يقول ابن بسام صاحب الذخيرة :" وكان مجلسها بقرطبة منتدى لاحرار، وفناؤها ملعبا لجياد النظم والنثر ، يعشو أهل الأدب الى ضوء غرتها، ويتهالك افراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها ، الى سهولة حجابها، وكثرة كتابها فخلط ذلك يعلو نصاب وكرم وانساب وطهارة اثواب ، على انها سمح الله لها وتغمد زللها، واطرقت التحصيل ، واوجدت الى القول فيها السبيل بقلة مبالاتها ومجاراتها بلذاتها [29].
اما غزلهن بالرجال ، فقد وصلنا منه الضعيف والماجن ، ومن ذلك قول ام الكرم بنت المعتصم بن صمادح ، متغزله بالسمار وهو فتى معروف بجماله .
يا معشر الناس الا فاعجبوا مما جنته لوعة الحب
لولاة لم ينزل ببدر الوفى من افقه العلوي للترب
حسبي بمن اهواه لو انه فارقني تابعـــه قلبي [30]
ومن الابيات الجميلة ما قالته الشاعرة حفصة الركونية حين أرادت الدخول على ابي جعفر بن سعيد
زائرا قد اتي بجيد الغزال
مطلع تحت جنحه للهلال
بلحاظ من سحر بايل صيغت
ورضاب يفوق بنت الدوالي
يفضح الورد ما حوى منه خبر
وكذا الثغر فاضح للالئ
ما نرى في دخوله بعد اذن
او تراه لعارض في انفصال [31]
ومما يلفت النظر، تغزل بعضهن بجمال المرأة، كما كان من امر الشاعرة حمدة بنت زياد المؤدب بفتيات معها.
ايام الدمع اسراري يواري له في الحسن اثار بوادي
فمن نهر يطوف بكل روض ومن روض يطوف بكل واد
ومن بين الظباء مهاة انس لها لبي وقد سلبت فؤادي
لها لحظ تـــرتده لامر وذاك الامر يمنعني رقادي [32]
شعر النساء
ومن ذلك شعر حفصة حمدون الحجارية
لي حبيب لا ينثني لـــعتاب واذا مـــــا تركته زاد تيها
قال لي هل رأيت لي من شبيه قلت ايضا وهل ترى لي شبيها [33]
من شعر ولادة الجميل قولها
الي وان نظر الانام لبهجتي
كظباء قلة صيدهن حرام
يحسبن من لين الكلام فواحشا
ويصدهن عن الحنا الاسلام [34]
وكانت عندها جرأة بان صرحت بحبها لابن زيدون اذ تقول :
ترقب اذا جن الظلام زيارتي
فاني رأيت الليل اكتم للسر
ولي منك مالو كان بالبدر ما بدا
وبالشمس لم تطلع وبالنجم لم يسر [35]
المصادر والمراجع
[1] القران الكريم
[1] د. احمد محمد الحوطي ، الغزل في العصر الجاهلي، دار القلم ، بيروت ، 1961 ،
[1] : ديوان امرئ القيس ، دار الكتب العلمية ،بيروت ، 2004 ،
[1] : احمد الغويلي ، كتب الحب عند العرب ، رياض الريس للكتب والنشر ، ط1 ، 2001 ،
[1] انظر احمد صدفي الدجاني ، القصيدة العربية الاندلسية الغزلية / دار المستقبل العربي / 1994 / مصر / ص
[1] شرح ديوان ابن زيدون / شرح وتحقيق عباس ابراهيم / دار الفكر العربي / بيروت/ ط1 / 1996 /
[1] الذخيرة في محاسن اهل الجزيرة ، تقديم الدكتور محمد رضوان الداية ،وزارة الثقافة ، الارشاد القومي ، دمشق 1978م ،
[1] انظر صلاح جرار ، قراءات في الشعر الاندلسي ، دار المسيرة للنشر والتويع والطباعة ، عمان ،ط2007
[1] ديوان ابن عبد ربه ، تحقيق محمود رضوان ، دار الفكر ، دمشق ، 1987،
[1] المغربي ، نهج الطيب في غصن الاندلس الرطيب ، تحقيق يوسف الشيخ محمد البقاعي ، دار الفكر / بيروت / 1986
[1][1][1][1] ديوان ابن خفاجة ، دار صادر ، بيروت ، 1961،
[1][1] ناجيه حراني ، احب بين تراثين ، المكتبة العالمية العراق ، ط21 ، 1985،
[1] ابن سعيد المغربي في حلى المغرب ، ج2 ، تحقيق نوال ضيف ، ص 208 ، دار المعارف ، القاهرة ، 1953 ، ج 2
[1] سورة الاسراء ، اية رقم 16
[2] د. احمد محمد الحوطي ، الغزل في العصر الجاهلي، دار القلم ، بيروت ، 1961 ، ص 32
[3] : ديوان امرئ القيس ، دار الكتب العلمية ،بيروت ، 2004 ، ص 115
[4] الغزل في العصر الجاهلي ، ص 85
[5] المرجع السابق ، ص85
[6] : احمد الغويلي ، كتب الحب عند العرب ، رياض الريس للكتب والنشر ، ط1 ، 2001 ، ص17
[7] : المرجع السابق ، ص 18
[8] - انظر ، ملامح التجديد في النثر الاندلسي ، د. مصطفى السيوفي ، عالم الكتب ، بيروت ، ط1 1985، ص 507
[9] انظر احمد صدفي الدجاني ، القصيدة العربية الاندلسية الغزلية / دار المستقبل العربي / 1994 / مصر / ، ص43
[10] انظر احمد صدفي الدجاني ، القصيدة العربية الاندلسية الغزلية / دار المستقبل العربي / 1994 / مصر / ص 27
[11] شرح ديوان ابن زيدون / شرح وتحقيق عباس ابراهيم / دار الفكر العربي / بيروت/ ط1 / 1996 / ص 103
[12] انظر القصيدة العربية الاندلسية / ص30
[13] الذخيرة في محاسن اهل الجزيرة ، تقديم الدكتور محمد رضوان الداية ،وزارة الثقافة ، الارشاد القومي ، دمشق 1978م ، ص 118
[14] القصيدة العربية الاندلسية / ص 37
[15] القصيدة العربية الاندلسية الغزلية ،ص75
[16] النرجع السابق / ص79
[17] المرجع السابق / ص 79
[18] انظر صلاح جرار ، قراءات في الشعر الاندلسي ، دار المسيرة للنشر والتويع والطباعة ، عمان ،ط2007، ص67
[19] المرجع السابق / ص 38
[20] ديوان ابن عبد ربه ، تحقيق محمود رضوان ، دار الفكر ، دمشق ، 1987، ص138
[21] المغربي ، نهج الطيب في غصن الاندلس الرطيب ، تحقيق يوسف الشيخ محمد البقاعي ، دار الفكر / بيروت / 1986 / ص 304
[22][22][22][22] ديوان ابن خفاجة ، دار صادر ، بيروت ، 1961، ص 183
[23] المرجع السابق ، ص 197
[24][24] ناجيه حراني ، احب بين تراثين ، المكتبة العالمية العراق ، ط21 ، 1985، ص29
[25] انظر ( الحب بين تراثين ، ص 49
[26] الحب بين تراثين ، ص 55
[27] انظر الحب بين تراثين ، ص 48
[28] انظر صلاح جرار ، قراءات في الشعر الاندلسي ، ص 171
[29] انظر قراءات في الشعر الاندلسي ، ص 173
[30] المرجع السابق 178
[31] المغربي ، نفح الطيب ، الجزء الخامس ، تحقيق يوسف الشيخ محمد النباعي ، دار الفكر ، بيروت ، 1986 ، ص 312
[32] ابن سعيد المغربي في حلى المغرب ، ج2 ، تحقيق نوال ضيف ، ص 208 ، دار المعارف ، القاهرة ، 1953 ، ج 2 ، ص 208
[33] صلاح جرار ، قراءات في الشعر الاندلسي / ص 180
[34] القصيدة العربية الاندلسية ،ص111
[35] المرجع السابق ، ص 111
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : النقد الادبي | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























