رئيس رابطة  ادباء بيت المقدس


جديد  الشاعر

منظومة القيم في قصة “في القطار ” لمحمد تيمور

كتبها رمضان عمر ، في 6 تشرين الثاني 2009 الساعة: 10:51 ص

 

منظومة القيم في قصة 
" في القطار "
 لمحمد تيمور
 
 
 
 
تمهيد:
 
شكلت كتابات محمد تيمور القصصية والمسرحية والشعرية والفكرية منظومة إبداعية متكاملة في مجال تحديث الأدب والفكر العربي، حتى أن بعض المؤلفين قسموا الحياة الأدبية إلى عصرين ،هما: عصر ما قبل تيمور وعصر ما بعد تيمور، فكانت كتاباته هي البداية الحقيقية للأدب العصري الحديث.
وقد كشفت هذه المنظومة عن موهبة نادرة ،تمثلت في وعي محمد المبكر بتقنيات القصة القصيرة؛ فوقتها لم يكن لفن القصة وحتى الرواية أية تقاليد سابقة في الأدب العربي وربما مواكبته لانجازات رواد القصة ك(إدجار ألان بو) و(تشيكوف) ومعاصرته (لارنست همنغواي) التأثير الكبير لوضع القواعد الأساسية للقصة.
وبعد قراءة النص عدة مرات فقد أمكن الوقوف على مجموعة من القيم التي تشكلت في منظومة بداعية يمكن تلمسها في هذه القصة     :
·        القيمة التاريخية لهذه القصة
إذ أن قصة "في القطار" اعتبرت لدى كثير من النقاد والباحثين بداية التأريخ الفعلي لفن "القصة القصيرة". وهذه القيمة الدلالية لها اعتبارها في  ميزان الدرس النقدي ؛ حينما نتحدث عن رائد هذا الفن، في العالم العربي؛ باحثين هن بذور التشكيل الفني لهذا البناء المعماري المحدث، فمحمد مندور الذي توفي يافعا عام(1921)قبل أن تمنحه الحياة فرصة استكمال الدور الذي بدأه، يستحق هذه الوقفة التأريخية، لدراسة نشأة وتطور   القصة القصيرة ، باعتباره  نقطة انطلاق لهذا الفن الجديد .
·       القيم الاجتماعية والفكرية  
مثلت هذه القصة جانبا واقعيا اجتماعيا فكريا- وإن كنا نرفض    اعتبار هذه القصة أنموذجا للأدب   الواقعي،حيث إن كل الأعمال الأدبية لها صلة بالواقع وليست كلها واقعية، بل إن القصة احتملت ظواهر رومانسية جعلتها - كما سيتضح- اقرب إلى هذا المدرسة الرومانتيكية - في فترة زمنية تحولية؛  تمثلت في معركة التنوير ضد مخلفات الجهل والتسلط،وعقلية" الباشوية "السلطوية، التي لا تنظر إلى  ما سواها من منظور إنساني، باعتبار الفلاحين جنسا بشريا مشابها ، بل وفق اعتبارات طبقية قسمت الناس إلى فسطاطين:أسياد وعبيد، وهي قسمة عادلة في نظر الأسياد، غير قابلة للكسر والتغيير، جائرة تقتضي ثورة وإصلاحا في نظر الفقراء المتنورين.
 
·       ملامح حديثة: أول ملمح حديث في هذه القصة هو العنوان ؛ فهو بتركيبته الثنائية يشكل نجاحا إبداعيا في الاختيار؛ حيث الاختصار والدقة والإثارة الفضول والاهتمام .
العنوان " شبه الجملة " تركيب جزئي، يشكل معنى مبتورا يثير فضول القارئ ؛ وكأن معنى محذوفا يستدعى ضمن إشعاعاته .
·        الإطار الفني:
يمثل الإطار الفني قاعدة انطلاق إستراتيجية أو غرفة تشكيل هندسي أولية ، لبدء عملية الرسم والنسج والبناء للشخوص والسرد والحدث ، وما تبقى من عناصر القص.
فهو ا- أي الإطار - يعمل مع   العنوان ، كمفتاح   معرفي لولوج عالم القص   الحكائي المتوقع، والتعرف على   تفصيلات الخطاب السردي المشكل لبنية القص . .
فإذا كان العنوان بتركيبته الثنائية" في القطار" قد كشف عن إمكانية تأويلية يتحرك من خلالها الحدث  في إطاره الظرفي " في القطار " الذي يشكل القطار قيمة مكانية ثابتة له، بينما يدل حرف الجر "في" على متعلقات زمانية من خلال مجريات الحدث التي تستجيب لسؤال افتراضي مؤداه : ماذا جرى؟فان الإطار يمهد الحلبة ويعدها بما يناسب فصول العرض التي ستتشكل منها الأحداث، وترسم في ساحاتها الشخصيات.
وهنا، تتجلى القيمة المكانية عند تناول مواصفات مكانية يجمد معها الزمن الحكائي، بينما يتحرك الزمن مع تقدم الفعل السردي؛

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الحكاية الشعبية/ البنية والدلالة

كتبها رمضان عمر ، في 23 تشرين الأول 2009 الساعة: 08:57 ص

v\:* {behavior:url(#default#VML);}
o\:* {behavior:url(#default#VML);}
w\:* {behavior:url(#default#VML);}
.shape {behavior:url(#default#VML);}

Normal
0

false
false
false

MicrosoftInternetExplorer4

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt;
mso-para-margin:0in;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}

الحكاية الشعبية البنية  والدلالة

د.رمضان  عمر

مقدمة

الحكاية الشعبية من   أقدم الموضوعات التي ابتدعها الخيال الشعبي ، حيث تتجلى فيها حكمة الشعب ،ونتائج ممارساته ومعايشته للحياة وهي خلاصة تجارب الأجيال مصاغة في قالب قصصي مشوق ، زاخر بالعبر والقيم.

  وقد  حاولت –في هذا اتقرير- أن  أتخير  من الحكايات الشعبية الفلسطينية  ما يمكن أن يشكل  نمطية قابلة للدرس النقدي؛ فوجدت  أن كثيرا من هذه الحكايات الشعبية تقوم بدور كبير في تأكيد الروابط الاجتماعية ،وهذا ما يجعل الراوي لها مجرد صدى لصوت الشعب نفسه، يقدم من خلال ما يحفظه من حكايات يرويها، تقاليد المجتمع وعاداته ، ومن خلال ما يقدمه تنتقل معالم الحياة الفاضلة بطريق غير مباشر من أذن السامع إلى فكره .

فالحكاية الشعبية مرآة للمجتمع، لا بمعنى أنها صورة ناقلة. ولكن لها شفرتها الرمزية

وقد حرصت في  اختياري  لهذه الحكايات  أن  أتناول  مجموعة من الحكايات الشعبية الشهيرة التي  نعكس  واقعا اجتماعيا مفترضا،أو منشودا وفق  رؤية  جمعية تراثية تبحث  عن  نسيج  اجتماعي  أفضل في علاقة أفراد الأسرة فيما بينها.

  ولعل  الحكايات  الثلاث التي  اخترتها   التي تناولت  موضوع الأسرة بشكل عام ، و الزواج فيها بشك  خاص  ، بما لا يخفي  نقدا  اجتماعيا  واضحا لواقع  موجود  احتيج  معظمه إلى  التطوير.تشك  ارضية مناسبة للغاية  التي  انا ذاهب  إليها في  التقرير

  ومع ان الحكاية الشعبية في  ابسط  تعريف  لها " احدوثة يسردها راوية في جماعة من المتلقين وهو يحفظها مشافهة عن راوية آخر ولكنه يؤديها بألفاظ الحكاية وان كان يتقيد بشخصياتها وحوادثها ومجمل بنائها العام. وغالباً ما ترويها العجائز لاحفادهن في ليالي الشتاء الطويلة قبل الذهاب إلى النوم وقد يرويها غير العجائز في مواقف والاعتبار وضرب المثل ولكن الحكاية لا تسرد على الأغلب إلا ليلا في جو يتم التهيؤ له فالجدة تقعد على خشبة ويقعد الحفيد في استعداد للتلقي؛إلا  أن نقلها  إلى عالم  التدوين والقراءة قد  يحور  من شكلها ونسقها  وطبيعتها، وينحرف  بطبيعة التلقي  ،أيضا،  كذا الغايات من  تدوينها ،  فلربما اختلفت  عن غايات سردها الشفوية.

ذلك .أن النص الحكائي الشعبي شكل لغوي لشكل آخر سابق عليه وهو النص الذي يحقق في عمليته هذه تداخل النصوص وتشابكها.

 وترجع أهمية النص المدون: أنه يفسح المجال للمقارنة بينه وبين النصوص الشفاهية الأخرى من جانب، والنصوص المدونة من الجانب الآخر.

ثم إن أغلب الحكايات الشعبية التي استجابت لغاية التدوين أو القراءة النقدية-ومنه النصوص  الثلاث  التي  اثبتها في  التقرير- قد أثبتت تغييراً يتضح جلياً في عتباتها الأولى، كالعناوين أو البعد عن المقدمات المتداولة، ولغة اسرد.

أما التأويل النقدي للحكاية فهو  يمنحنا الإحساس بإعادة إنتاج المعنى الذي لا يفترض خلوه من أصالته في الحاضر .إذ أن المسافة الزمنية التي تفصلنا عن الماضي ليست فاصلاً ميتاً بل هي تحويل إبداعي للمعنى، وهو ما أطلق عليه ( بول ريكور ) التراثية حين يرى أن الماضي يضعنا موضع سؤال، قبل أن نضعه نحن موضع سؤال . وفي هذا  الصراع وإثارة الأسئلة لمحاولة التعرف على المعنى، يتناوب النص والقارئ بين الألفة والغرابة.

  ومن  هنا، فإنني  أعلن –مسبقا- أن غاية  إعادة طرح الحكاية -هنا- ليست للتسلية بل  لاستكناه  معالم الفن السردي  والأبعاد  الفطرية في   طبيعة التفكير الفلسفي الجمعي  الذي  تتوارثه الشعوب  وتصبغ به .

  والحكايات الثلاث  التي  سأتناولها في  هذا التقرير  هي 

·       . بنت تايه الرأي

·       الطوير الأخضر

·       الشاطر  حسن 

وكلها  مأخوذة  من الحكايات الشعبية الفلسطينية

وقد  أخذتها  عن  موقع  المركز الفلسطيني  للإعلام، من قسم  التراث  الشعبي  الفلسطيني  الذي ضم نماذج  متعددة  من الحكايات.    

 

 

 

النص الأول: بنت تايه الرأي

كان ياما كان في قديم الزمان شيخ قبيلة

وكان صديقاً لرجل شامي أمضى معه حوالي ثماني سنوات من التعامل التجاري.

ذهب يوماً إلى الشامي ليشتري منه بضاعة، فأصرّ هذا على أخذه إلى البيت ليكرمه وقال له: أنت تزورني من سنين وأنا أقدم لك اللازم في الدكان وهذا لا يناسب الصداقة بيننا، فوافق الشيخ.

وفي بيت صديقه أبصر الشيخ ثلاث فتيات كأنهن البدور، فخطر في باله أن يتزوج بواحدة منهن فسأل صديقه: هل أنا عزيز عليك؟ فقال الصديق: نعم فقال الشيخ إنني أطلب يد إحدى بناتك هؤلاء. فقال الشامي: لنر رأيهن فقالت الكبرى لا، وكذلك قالت الوسطى: أما الصغرى فقد وافقت. فقال لها الشيخ: سوف تحملين قربة الماء على ظهرك، فقالت: لا مانع عندي من ذلك، فأضاف وتحملين الفأس للتحطيب؟ فقالت: أفعل كما تفعل بنات البدور، فأضاف: وتخبزين على (الصاج)(1)؟ فقالت نعم أخبز ثم قال: وتحلبين النعاج؟ فقالت: أفعل ثم قال: وتركبين على النوق (الجمال) وترحلين بعيداً؟ قالت: افعل كل ما تفعله بنات البدو. وكان قصده أن يعرض عليها الحقيقة عندهم، لترفضها إذا أرادت. فقال له أبوها (عندما رأى منها هذا الاستعداد): أنا أعطيتك.

أخذها الشيخ وأركبها على الجمل، مثل عادة الشوام، من دون رحل عليه.

وبعد أن تزوجها في بلاده قال لها: سأسميك بابنة تايه الرأي، وأنجبت منه ثلاث أولاد، وتوقفت بعدهم عن الإنجاب.

وذات يوم سألها ابنها الأصغر واسمه سعد: ما سبب اسم تايه الرأي الذي تنتسبين إليه؟

ففكرت في هذا الاسم وشعرت بوجاهة سؤال ابنها وعاتبت زوجها قائلة: أليس من العار أن تسمي أبي بهذا الاسم؟ فرد عليها بأنه سيرسل لأبيها حزيرتين (لغزين)، فإذا عرفهن ناداها باسمها العادي قبل الزواج وإلا فإنه سيبقى على هذا الاسم. فسألته عن هاتين الحزيرتين فقال: الأولى عن أخف الخفيف ما هو؟ والثانية عن أثقل الثقيل ما هو؟

فشدت على جملها وركبت هودجها، وسافرت قاصدة بلاد الشام. فأكرمها أبوها في زيارتها له ثم أخبرته بما هي آتية من أجله وبموضوع اللغزين. فقال لها: أخف الخفيف هو القطن، وأثقل الثقيل هو الرصاص. ففرحت بهذه الحلول، وحمّلها أبوها هدية وأرسلها إلى زوجها.

خرج أبناؤها يلاقونها في أطراف البلدة ليعرفوا مسبقاً هل اهتدى الجد إلى الجواب الصحيح. وسأل ابنها الأصغر عن هذا الأمر فقالت له أمه: لقد حل جدك هذه الحزازير، وذكرت له الحلول، فقال الصغير الذكي: أخف الخفيف على الغانمين ثقيل: أين أن أية كلمة سيئة ولو كانت صغيرة على الرجال الكرام ثقيلة ولا يتحملونها. وأثقل الثقيل على الغانمين خفيف أي أن كل شيء على الكرام ولو كان ثقيلاً فهو عندهم ممكن وخفيف.

ومشوا أدراجهم إلى البيت بعد أن أوصاها ابنها أن تقول لزوجها كما قال هو لا كما سمعت من أبيها.

فسألها قائلاً: يا بنت تايه الرأي هل عرف أبوك الحزازير؟ فقالت نعم: فسألها عن الحل فأجابت بما أشار ابنها، فرضي به. ولكنه فكر قائلاً: إن الشامي لا يستطيع أن يصل إلى هذا المستوى من الذكاء، وربما كان ابنه الذكي (ابن الشيخ) هو الذي قام بالحل. وصمم أن يكشف الحقيقة بنفسه. فصرخ بابنه قائلاً: إن أخاك قد مات. فقالت زوجته: كيف مات لقد استقبلوني ولم يكن بهم أي مرض. فعرف أن ابنها هو صاحب الحل. فنادى أولاده وسألهم من فك الحزيرة؟ فقال الصغير أنا. فقال له: بما أنك عرفتها فأنت الشيخ من بعدي. فقدم الصغير أخاه الأكبر فقال أبوه: وإذا مرض فأجاب الصغير، فليكن أخي الأصغر. فقال الأب: وإن كان قليل الفهم؟ فرد الصغير: وحينئذ أكون أنا. فقال له أبوه إذا أتاك اثنان متخالفان: خاين وغانم (بخيل وكريم) فكيف تصلح بينهما؟ فقال: آخذ من مال الغانم وأرضي الخاين فيذهبان متراضيين. فقال الأب: وإذا أتاك الاثنان خائنين (بخيلين)؟ فقال الابن: أقسم بينهما بالسواء. قال الأب: وإذا أتاك اثنان كريمان؟ فقال الابن الكريمان يتراضيان قبل أن يصلا إليّ. قال الأب: اشهدوا إنه الشيخ من بعدي. واكرماً لهذا الشاب الصغير الذكي لم يعد يسمي أمه ابنة تايه الرأي.

 

 

النص  الثاني :الطوير الأخضر

كان يا ما كان في سالف العصر والأوان، رجل يعيش مع ابنه وابنته اللذين توفيت أمها، وظل هو يربيهما ويعتني بهما. وكانت فتاة من الجيران تحسن إلى الفتاة وتغسل لها الثياب، وتساعدها عندما تغتسل. وما زالت هذه الجارة كذلك إلى أن قالت للفتاة اليتيمة ذات يوم: «اطلبي من أبيك أن يتزوجني، لأعتني بك وبأخيك أكثر». فعرضت الفتاة الأمر على أبيها فأجاب: «أخشى أن تغدر بك وبأخيك فأكون أنا قد ظلمتكما بها». أما الصبي فكان يقول لا تتزوج يا أبي! وما زالت الجارة تلح على الفتاة، والفتاة تلح على أبيها حتى تزوج من هذه الجارة.

(رُوحْ يا يوم تعالْ يا يوم، رُوحي يا سَنة تعالي يا سَنَة) كبر الصغير واصبح يافعاً، فاختارت زوجة أبيه يوماً كان فيه زوجها غائباً وقتلت الصبي، وقطعته قطعاً قطعاً، ووضعت بعض قطعه في الطعام، ليقدم أمامهم حينما يعود الأب، انتقاماً منه لأنه كان يطالب أباه ألا يتزوج!. فعلت ذلك به أمام أخته التي كانت تنهمر من عينيها الدموع الساخنة الصامتة، والمنظر يفتت قلبها، فتقول لها زوجة الأب: إذا أخبرت أباك بما رأيت فسيكون هذا مصيرك أيضاً!

وبعد أن خرجت المرأة من المكان لبعض شؤونها، جمعت الأخت عظام أخيها المطروحة على الأرض ووضعتها في حفرة في حديقة البيت.

وحينما عاد الأب سأل عن ابنه فقالت له زوجته: ذهب إلى بيت جده، وقدمت له الطعام المهيأ، ولما اطمأن على ابنه شرع يتناول الطعام، وجعل هو وزوجته يرميان بالعظام خارجاً أثناء الأكل، وكانت الابنة تلقف هذه العظام وتقدفنها في الحفرة في الحديقة.

وفي صباح اليوم الثاني كانت مجموعة من النساء جالسات قريباً من المنزل وفيهن زوجة الأب والأخت، فتحولت عظام الصبي إلى طائر وأخذ يغني ويقول: أنا الطـويـر الأخضــر مرة أبــوي ذبحـتـني

وأبوي العَرسْ أكل من لحمي واختي الحنونة حن الله عليها

جمـعت عظمـاتي وحـطـتـهم فــي اجنناتي

فتعجبت النساء مما يسمعن من غناء، ثم سكتن ليسمعن فسمعن الطير يقول: لا أغني إلا عنها، تلك المرأة ويشير إليها ويقول: لتفتح فمها، فحملتها النساء على أن تفتح فاها، ففتحته، فألقى فيه أبرة مسمومة، فماتت على الفور فأضاف الطائر: وتلك الفتاة فلتفتح حجرها، ففتحت حجرها فألقى فيه المال والفضة والزمرد والذهب والماس مما لا تستطع أن تحمله.

وهذبت إلى عظام أخيها فوجدت أنها قد تحولت إلى ذهب.

وعاشت مع أبيها حياة سعيدة…

وطار الطير تتسموا بالخير..

الشاطر حسن

 

- الراوية: كان يا ما كان عالعذرا صلاة السلام

- الحضور: عليها السلام

كان هالملك، إله هالولد الوحداني، وفش غيره. يوم ، مات أبوه. أخذ أمه، قالها: "يما بدنا نطلع نشم الهوا في هالبلاد". ركبت هي هالفرس، وهو فرس، وطلعوا مشيوا، مشيوا، مشيوا. لاقوا هالرجل قاعد على مفرق ثلث طرق.

- قاله: "يا عمي".

- قاله: "مالك؟"

- قاله: "هاذي طريق إيش؟"

- قاله: "هاذي طريق السلامة، وهاذي الندامة، وهاذي طريق تؤدّي ما تجيب".

- قاله: "أنا بدي أروح الطريق اللي تودي ما تجيب".

- "يا شاطر حسن! منشان الله، منشان النبي، منشان عيسى، موسى!"

- قال: "أبداً! إلا أمرق هالطريق هاذي".

- قاله: "بتموت!"

- قاله: "أنا وعمري. وينتا ما خلص هالعمر، باموت". دهم بهالطريق، لاقالك هالمارد، راسه بالسما وإجريه بالأرض.

- قاله: "السلام عليكم!"

- قاله: "أهلا. لكن إنت مين قالك تمرق يا شاطر حسن؟"

- قاله: "بدي أمرق".

- قاله: "الحرب!"

- قاله: "الحرب". الشاطر حسن معاه سيف. مسك هالسيف قطع رجليه الثنتين ورماه. قاله: "أخ! عمر ما واحد قدر عليّ. خذ هاي مفاتيح القصر تاعي، إنت وامك بتظل فيه". قعد في هالقصر، وطبعاً الملك شو إله شغل ثاني غير الصيد والقنص. يوم، راح يشم الهوا قامت امه حنّت على العبد المارد. جابت هالقطن، وصارت كل يوم تغسل إجريه وتنظفهم وتحط عليهم هاليود لما نشفوا هالاجرين " الرجلين ".

حبوا بعض واتجوزوا، الشاطر حسن ماعوش خبر شو بصير ورا ظهره.

حبلت، ولدت. جابت أول ولد. حبلت، ولدت. جابت ثاني ولد. قالتله: "كيف بدي إعمل؟ إن دري فيّ الشاطر حسن، راح يقطع راسي". قالها: "تعالي. شايفة هذيك البيارة المليانة رمان؟ عمره ما واحد خش "دخل " هالبيارة إلا بتنتف". قالتله: "بسيطة". جابت حبة هالكركم صبغت وجهها. اجا الشاطر حسن.

- قالها: "سلامتك يما! مالك يما؟ إيش اللي صارلك؟"

- قالتله: "أبداً يما. بس أنا نفسي قبل ما أموت آكل حبة رمان من هالبيارة هذيك".

- قالها: "بسيطة يما. حطيلي زاد وزوادة لهالبلاد". ركب هالفرس ومشي. لما وصل ، لقالك هالشيخ قاعد. قاله: "سلام عليكم!"

- قاله: "أهلا وسهلا. لولا سلامك سبق كلامك لأكلتك ومرمشت عظامك. وين رايح يا شاطر حسن؟

- قاله: "والله يا سيدي الشيخ أنا رايح أجيب رمان لامي".

- ظحك. قاله: "أنا إلي عشرين سنة قاعد هون وبستنى تاذوق هالرمانات، لكن لحد الآن فش واحد دخل هالبيارة وطلع منها سالم".

- قاله: "بفرجها الله".

- قاله: "بس يا شاطر حسن، ادخل دغري تطّلّعش لا يمين ولا شمال. إذا التفت هيك والا هيك، بتموت. إقطع وحطّهم في الخرج وظل راجع".

- قاله: "حاضر". راح فات، ملّى الخرج وحطّ فوقه أخرى ثلث رمانات زيادة للشيخ، ظل راجع. أعطى الرمانات لامه. قالت للعبد: "إنت قلت بموت. هيوه راجع مثل القرد".

- قالها: "أنا عارف كيف عمل؟! عمره ما واحد دخلها ورجع".

- قالتله: "طيب يما. روح. الله يرضى عليك". ثاني يوم، قالها العبد: "شايفة هاي مقثاية البطيخ؟ اللي يخشها، عمره ما يطلع طيب". عملت نفس الشي، جابت هالكركم وصبغت حالها، وقعدت بهالتخت: "يما راسي!"

- قالها: "مالك يما؟"

- قالتله: "والله يما نفسي بهالبطيخ".

- قالها: "بسيطة يما. حطيلي زاد وزواد يكفيني لهذيك البلاد". حطتله. ظل يجري يجري لما وصل. برضُه لاقى شيخ موجود على هالباب.

- "سلام عليكم يا عمي الشيخ!"

- قاله: "لولا سلامك سبق كلامك، لنتّفتك وأكلت عظامك. إيش بدك؟"

- قاله: "بدي بطيخة من هالمقثاة".

- قاله: "إلي عشرين سنة قاعد هون، مشفتش حدّ غدر ياخذ بطيخة. كل اللي بخشّوا، بموتوا".

- قاله: "إلي والهم الله".

- قاله مثل ما قاله هذاك: "فوت دوز دغري. إذا بتتلفت هيك رحت، وإذا بتتلفت هيك رحت". فات دغري، ملّى هالكيس، وأخذ كمان ثلث بطيخات للاختيار. حمل حاله وطلع. لحقوه ألف [اسم الله] ما قدروش يمسكوه. حمل هالبطيخات وراح لامه، فكره امه تفرح.

قالت للعبد: "يي! إنت قلت بموت. هيوه جاب هالبطيخ واجا زي القرد". قالها: "إيش إعملك؟ أبصر إيش بعمل". أخذت هالبطيخ وأكلته، وقالتله: "يخلف عليك يما". قالها العبد: "مالكيش إلا مية الحياة. عمره ما بقدر يجيب مية الحياة. بقعد سبعة أيام بسبع ليالي لما يصل هذيك البلاد".

قالتله: "يما حبيبي. إصبعي محروق بده مية الحياة لما يطيب". قالها: "اعمليلي زاد وزواد يكفيني لهذيك البلاد". حمل حاله وراح. أخذ معه مقص وشفرة وريحة وصابونة ممسكة وأواعي " ثياب " نظاف، وحمل حاله وراح. وصل أرض هالغول.

- "سلام عليكم يا عمي الغول!"

- "أهلا يا شاطر حسن. لولا سلامك سبق كلامك لمرمشتك وأكلت عظامك". نزل، قصقصله رموش عينيه. قصقصله ذقنه شواربه وشعره. غسله بهالممسكة. حطله هالريحة، لبسه هالأواعي النظاف.

- قاله: "يشمّمك الهوا مثل ما شممتني الهوا. إيش بدك يا شاطر حسن؟"

- قاله: "بدي أجيب مية الحياة لامي".

- قاله: "إسمع. ببعثك لأختي. أكبر مني بشهر وأوعى مني بدهر. إن لاقيتها بتطحن سكر وراده بزازها لورا، قرب ومصّ من بزها اليمين، وبعدين من بزها الشمال. وإن لاقيتها بتطحن ملح وعيونها حمر، حمر اوعى تقرّب عليها".

- قاله: "حاضر". راح دغري. لاقاها بتطحن سكر وحاطه بزازها ورا ظهرها. مصّ من بزها اليمين.

- قالت: "مين اللي مص من بزي اليمين؟ صار أغلى من ابني عبد الرحيم". مص من بزها الشمال. قالت: "مين اللي مص من بزي الشمال؟ صار أغلى من ابني عبد الرحمن".

- قالتله: "إنت رضعت من بزازي، بصْرْش أضرّك. بسّ اولادي احدعشر غول. إن شافوك شو بساووا فيك؟ وين أروح فيك؟" شوي، اجوا اولادها. بس سمعت صوتهن نفخت عليه عملته ابرة وحطته بفسطانها. اجوا اولادها: "ريحة إنس يما!"

- قالتلهن: "إنس فيكم وفي ذيالكم. منين اجاني إنس؟"

- قالولها: "أبداً ! ريحة إنس!"

- قالتلهم: "إرموا عليه الأمان".

- قالولها: "هو أخونا بعهد الله، والخاين يخونه الله". رجّعته زيّ ما هو: "أهلا!" تعابطوا هم واياه وبوسوه! [ما هو صار أخوهم].

- قالتلهم: "مين بده يوخذ الشاطر حسن يجيب مية الحياة؟" هذاك يقول أنا بوخذه بعشرة أيام، هذاك بتسعة أيام. الزغير خالص قال: "أنا باخذه وبجيبه بسبع دقايق". حمله عظهره وطار.

- "قديش بتشوف من الدنيا؟"

- قاله: "قد الغربال".

- "قديش بتشوف من الدنيا؟"

- قاله: "قد المنخل".

- "قديش بتشوف من الدنيا؟"

- قاله: "قد القرش".

- قاله: "خلص. إنزل".

- قاله: "شايف هالبوابة هذيك؟ بتلاقي الباب مايل بتركزه مزبوط وبعدين بتلاقي هناك كلاب وخيل. قيم اللحمة من قدام الخيل حطها قدام الكلاب، وقيم الشعير من قدام الكلاب وحطه قدام الخيل. وخذ هالابريق الفاضي حطه عالبركة وجيب بريق ملان، ولا تلتفت يمين وشمال، وظلك كاسح دغري، ولمن تطلع اطرق الباب بعجلة". راح هذا، دوز دغري، عمل مثل ما قاله. ركز الباب مزبوط، قام اللحمة حطها للكلاب، وقام الشعير حطه للخيل، وحط هالابريق الفاضي وحمل الابريق الملان ودار ظهره وطلع.

صاروا يصيحوا.

- "امسكه يا باب!"

- "إلي أربعين سنة ما انفتحت".

- "امسكوه يا كلاب!"

- "إلنا أربعين سنة ما ذقنا اللحم".

- "امسكوه يا خيل!"

- "إلنا أربعين سنة ما ذقنا الشعير". تمه شارد توصل هذاك. حطه عاكتافه وتمه شارد. وصل عند الغولة.

- أهلا! الحمد الله على سلامتك".

- قالوا: "مين يوصله عند خاله؟ " حطه عاكتافه، ووصله عند خاله. قاله: "هاي فرسك".

- قاله: "آه". ودعه، وركب فرسه وظله ماشي. في الطريق، وهو مروح عند امه، بنت الملك واقفة على البلكون. شافته.

- قالتله: "شاطر حسن، ميل".

- قالها: "لأ. بديش أميل".

- قالتله: "وحياة عزيز راسي ومن ولاه على رقاب العباد، إن ما كنت تميل لاقطع راسك". ميل عليها. من شطارتها، أخذت ابريق مية الحياة، وحطتله ابريق مية العادة وغدته وقالتله: "مع السلامة".

وحمل حاله وراح على امه دغري. دق الباب. لما دق الباب، قالت: "يا خيبتي! هيه بعده طيب يا عبد الخير". قالها: "والله ماني عارف كيف اجا".

"أهلا وسهلا يما. الحمد الله على السلامة". وبوّسته، وأخذت منه هالابريق.

- "وبعدين. شو بدنا نساوي".

- قالها العبد: "اسأليه وين قوته".

- يوم، سألته: "يما يا شاطر حسن، وين قوتك؟"

- قالها: "في براسي سبع شعرات. إذا قصيتيهم بتروح كل قوتي".

- قالتله: "يما تعال أفليك". قعدت تفليه، قلعت السبع شعرات من راسه. أعطته خيط زغير، ما غدرش يقطعه.

- قالتله: "اطلعله يا عبد الخير. إقطع راسه". طلعلها العبد.

- "لا يما. أنا ابنك".

- قالتله: "أبداً! إقطع راسه". قطعوا راسه، وقلعوا عينيه، وشقفوا جثته أربع شقف، وحطوه بهالصندوق ورموه في البحر. ثاني يوم، اجوا الصيادين لاقوا هالصندوق قاذفه الموج على شط البحر. قالوا والله هاذي هدية مليحة لبنت الملك، بدنا نهديها لبنت الملك. حملوه، وراحوا لبنت الملك. من حد ما شافتهم، قالت: "آه. خسارة عليك يا شاطر حسن!" أخذته منهم وأعطتهم عشر دنانير وقالتلهم: "مع السلامة". فتحت الصندوق، قالتله: "عملتها امك! قديش نصحتك، مارديتش". جابت مية الحياة، وحطت الإجر عالإجر ودهنتها. بقدرة الله لحمت. حطت الإيد، الظهر، الكتاف. آخر شي، حطت الراس ودهنته، والا هو بعطس.

- قالها: "أنا وين؟"

- قالتله: "إنت عندي يا شاطر حسن".

- قالتله: "وين عينيك؟"

- قالها: "عينيّ قلعوهم قبل ما يذبحوني، وأخذهم أخوي الزغير".

- قالتله: "طيب!" ظلت كل يوم تطعمه مرقة زعاليل، مرقة جاج. كل يوم المرقة الثقيلة تطعمه اياها لصارلك زي الجمل.

- قالها: "أنا بدي أروح أقتل العبد".

- قالتله: "كيف بدك تقتله؟ بالأول بدك تروح تجيب عينيك. تقول "أساور يا بنات! خواتم يا بنات! بطْلعوا اخوتك يقولولك قديش. بدك تقولهم بديش مصاري، بدي عيني اليمين. ياللي في إيدي اليسار بالعين اليسار". نط أخوه الزغير، قال: "آ. والله عينين أخوي بالطاقة، لروح أجيبلك اياهم". أخذ العينين، ورماله كل اللي معه وقال "يا الله!" حمل حاله ورجع. حطتله العينين، رجع أحسن من أول. شب أكثر من أول. لما صار يشوف مليح وصار قوي قال لبنت الملك: "بدي أروح اقتلهم واحد واحد". قالتله: "يا حبيبي يا روحي!" ماتت وهي تترجى فيه. قالها: "أبداً". ركب هالفرس، وحمل سيفه وراح دغري دق الباب.

- "مين؟"

- قالها: "أنا الشاطر حسن".

- قالت: "يي! يا خيبتي".

- قالها: "لما ذبحتيني، ما قلتيش يا خيبتي. إنت قطعتيني أربع شقف. والله لاقطعك نتف نتف، إنت وعبد الخير".

جابه، ذبحه على ركبتها وقطعه نتف نتف ورماه. وجاب الولدين والبنت، ذبحهن ونتفهم قدامها. بعدين قالها: "إنت غير أنتفك تنتيف. أنا جبتك على الساغ سليم، وتروحي تخونيني وتوخذي واحد عبد اللي أنا قطعت إجريه!" قطعها. قطعها ورماها، وهد هالقصر وأخذ مال هالمارد كله ووداه لبنت الملك. يوم، الملك قال لبنته:

-

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الغموض والوضوح في الشعر الصوفي

كتبها رمضان عمر ، في 28 أيلول 2009 الساعة: 21:47 م

 

تشكل الكناية البعيدة واحدة من روافد الغموض في بنية النص الشعري

 

؛ ذلك ان الكناية لا تعمد الى التصريح المباشر، بل تتوارى خلف الكلمات والظلالات، باحثة لها عن علاقات غير مباشرة ، لا يراد منها المعنى القريب. بيد اننا لا نستطيع ان نثق بمفهوم الكناية لحل اشكالات الغموض في الشعر الصوفي ؛ ذلك ان الرمز في الشعر الصوفي لا يتكئ على فكرة الكنايات البعيدة وحدها ، واطلاق اسماء من قبيل الرموز الخفية فقط، وانما يتعامل مع المفردة من خلال معجم المصطلحات الصوفية . :

سائق الاظعان يطوي البيد طي منعما عرج على كثبان طي

فربما احتملت

(طي ) الثانية معنى قدسيا يخرجها من دلالتها الاولية ، التي يفترضها الجناس مع ( طي ) الاولى .

واذا عدنا الى التعريف المشهور

- لابن جني - بان اللغة :"أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم" (25) . فإن الصوفي يستخدم اللغة للتعبير عن حالاته المختلفة، وهي حالات ليست من الأغراض التي تعارف عليها القوم ، ولا تنتمي إلى واقعهم؛ فالصوفي بين حضور وغياب، بين اتصال وانفصال، بين صحو وسكر، فهو دائم التنقل بين عالم الشهادة وعالم الغيب. فإذا انفصل عن العالم الواقعي الذي نعرفه وخرج عن نفسه، وارتقى في مدارج الصعود، ودخل عالم الحقيقة المطلقة، فإنه لا يستطيع أن يصف تجربته تلك بلغتنا الاعتيادية الصالحة لعالمنا الواقعي ، التي تحكمها قواعد المنطق وقواعد النظم والبلاغة ، وقواعد علم الدلالة. وإذا اضطر الصوفي إلى استخدام هذه اللغة ؛ فإنه مضطر إلى تجاوز تلك القواعد وتحطيم العلاقة القائمة بين الألفاظ ومعانيها المعتادة ، وجعل تلك الألفاظ تشير إلى مدلولات جديدة.

فقد تكون سعدى ولبنى وليلى اسماء تدل على المحبوب الالهي الاعلى كما يقول الشاعر

: -

اسميك لبنى في نسيب تارة وآونة سعدى وآونة ليلى

حذارى من الواشيين ان يفطنوا بنا والا فمن لبنى ؟ فدتك ومن ليلى

وبهذا نقرأ للشاعر ابي مدين التلمساني

:

مفتاح اقفال القلوب اتتك في خزائن اقوالي فهل انت سامع

وها أنا ذا اخفي واظهر تارة لرمز الهوى ما لسر ذائع

واياك اعني فاسمعي جارتي فما يصرح الا جاهد او مخادع

 

ذلك ان اغلب رموز الشعر الصوفي تجليات في الجمال الالهي ؛ فالاشفاق الرمزي

- في المفهوم الصوفي - يرجع الى كل مظاهر الحزن في الوجود ، مما يجعل هذه التجليات تجليات للجمال الالهي الذاتي؛ فالمحبوبات العربيات لا يتعدين كونهن اشارة حسية للجمال الازلي. يقول ابن الفارض :

وتظهر للعشاق في كل مظهر من اللبس في اشكال حسن بديعتي

ففي مرة لبنى واخرى بثينة واونة تدعى بعزتي عزتي

اذا هذه الرموز العربية يوهم بها الصوفي العامة بان محبوبته انساني ، صونا لسر محبته من الشيوع في غير اهله ، واشفاقا على السامعين

- من اهل السلامة - ان يفتنوا بطريق اقواله ؛ فالحقيقة ان الصوفي لا يعرف الا حبيبا واحدا هو ربه ومولاه ، يقول النابلسي:

عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل الى ذاك الجمال يشير ،

اسباب الغموض في الشعر الصوفي

ويرى البعض ان الصوفية إنما فعلوا ذلك للاستسرار ، او خوفا من السلطة العامة ، او من اجل اظهار الحيرة والقلق ، او لان عالم الروح لا تناسبه اللغة المباشرة

.وربما فعلوا ذلك- ايضا - هربا من الفقهاء الذين تتبعوا شطحاتهم ، ورموهم بالغي والزيغ والضلال .

ولا شك ان مبدأ التأويل وحمل العبارة الصوفية على غير دلالتها المعجمية ، هو ما نحتاجه في قراءة النصوص الصوفية ، ذلك ان الصوفية نظروا نظرة عميقة ترمي الى الكشف عن الجوهر في الاشياء ، وعن الثابت في المتغير ؛ فاستخلصوا مالم يستخلصه غيرهم ، ولو توقفنا قليلا عند الامام القيشيري واخذناه مثالا على التاويل الصوفي للقرأن الكريم، ناظرين في ثنائية الظاهر والباطن ، وكيف تجسد المفاهيم الصوفية بمذاقات خاصة ؛ فمثلا يقول القشيري في تأويل قوله تعالى

: " وكلوا مما ذكر اسم الله عليه ان كنتم باياته مؤمنين "" الانعام " (118)

فمع ان الاية واضحة الدلالة في تعلقها بالذبيحة ، ولكنه

- أي القشيري - يبين ان المقصود : أي الاكل على غفلة من ذكر الله وحضوره بالقلب، فهذا التأويل الاشاري وان انطبق للمعنى الظاهر للأية ؛ فان له علاقة بالبطون الملتحق بعالم الغيب ، الذي هو ضد عالم الشهادة ، أي ان المعنى تحول من معنى الوجود الى مسرح الرموز والاشارات .

ومن هنا ، فان ابن عربي في تأويله لاشعار الترجمان، نهج نهجا باطنيا ليكشف لنا عن المغطى واللائذ ، ويطلعنا على عالم اخر نسرح فيه دون ان نعي ، عالم يتنفسنا ونتنفسه، يتميز بالشفافية وسهولة الاختفاء والانزواء ، وهذه الحركة التأويلية تعتبر شكلا من اشكال تفلت المعنى حينما يفتقر المعادل الموضوعي اللغوي، فتأتي الدلالات الخفية ذات الخصوصية الصوفية مشكلة بديلا امام حركة التداخل الموارنة

.يقول ابن عربي ، مقدما تمهيدا لهذا التأويل الشعري : ( فلم ازل فيما نظمته في هذا الجزء على الايماء الى الواردات الالهية ، والتنزلات الروحانية جريا على طريقتنا المثلى " ، ويقصد بالطريقة المثلى : الطريقة التي تحتفي بقراءة الظاهر بوصفه رمزا لمعنى باطني ،ولا غرابة في ذلك ؛ فابن عربي يرى ان الوجود كله يعتبر مسرحا تتجلى فيه صفات الذات الالهية واسمائها تجليا ماديا تدركه الحواس المركبة في الانسان .

واذا اردنا ان نأخذ امثلة تطبيقية على انحراف التأويل من منطقه العقلي الى منطق الالهام والبصيرة فنجد

- مثلا في ابيات متفرقة - لابن عربي :

ناديت اذ رحلت للبين ناقتها يا حادي العيسي لا تحد بها العيسا

وفي بيت اخر

:

قف بالمطايا وشمر من أزمتها بالله في الوجد والتبريح يا حادي

والبيت الثالث

:

حتى اسائل اين صارت عيسهم فقد اقتحمت معاطبا ومتالفا

وفي البيت الاخير

:

قطعت اليها كل قفر ومهمه على الناقة الكوماء والجمل العود

لو تتبعنا المعجم اللغوي للمفردات الواردة في الابيات ،فإننا لن نصل الى شيء ما لم ننهج منهج التأويل الصوفي في تبيان دلالة المفردات ؛ فالناقة، والمطايا ، والعيس ، مترادفات تؤل في الهمم في اغلب المواقف ، والناقة الكوماء في البيت الاخير تؤل بالشريعة ، والجمل العود يؤل

- عندهم - بالعقل المجرب ، وهذا التأويل يدل على انزياح في المعنى الباطني لحدوث صفة جديدة على المعنى الظاهري ، ويبدو الامر اكثر وضوحا حين ننشئ علاقة جدلية بين الناقة والهمة ، من خلال استحضار كلمة الهمة متجسدة في هذا الكائن، الذي يقوم بهذا الجهد ، غير ان الهمة - بوصفها معنى مجردا- تتنزل الى عالم التصوير والتجسيد في مظاهر متنوعة ، وهذا ينسجم مع تنوع الصور في عالم الشهادة .

ولا بد لقارئ الشعر الصوفي من تتبع معجم المصطلحات الصوفية ، حتى يتسنى له معرفة التأويلات الباطنية للكلمات المجردة من خلال سياقاتها المتنوعة

والصوفي يلجأ الى التهويل والمبالغة عن شدة الشوق والوجد والحنين الى الروح العلية

:

فلو ان لي في كل يوم وليلة ثمانين بحرا من دموع تدفق

لأفنيتها حتى ابتدأت بغيرها وهذا قليل للفتى حين يعشق

 

لغة الاغتراب في الغزل الصوفي

الغزل العذري يشكل ارهاصا ومدخلا لرمز المرأة في الشعر الصوفي ؛ حيث يرى بعض الباحثين

ولا يعنينا في هذا الباب ما ذكره بعض النقاد من ان ابن الفارض

: ان الزهاد كانوا اسبق من العذريين في هذا اللون . ومهما يكن الامر فقد تجاوز الصوفيون حدود الغزل العذري ، وشكلوا لهم ظاهرة غزلية خاصة ، انطلقت من تجاوز مفهوم الغزل، الدال على ذاته، الى غزل يعبر عن دواخل المتلقي مع احتياجاته السمعية ، من اجل الاستجابة لبعض الافكار الصوفية ، لا سيما الحب الالهي ؛ فلغة الشعر الصوفي ليست لغة غزل ، وان اوحت الى ذلك ، فهي لغة تستمد وجودها اساسا من اللغة الخاصة، التي اتخذها الشعر الصوفي لنفسه منذ القرن الثالث ، فقارئ شعر الحلاج او ابن عربي يلاحظ بوضوح ان اللغة التي يستخدمانها للتعبير عن معاني الصوفية ؛ هي لغة خاصة ليست كاللغة التي يتداولها الناس ، فهي لغة ذات اصطلاحات من مثل : السفر والطريق والمقام والحال والانس والفناء واليقاء واليقين ، اما الطباق والتورية والجناس والمقابلة - في شعريهما - ربما جيء بهما لاظهار الحيرة والقلق التي يرتاح لها الصوفيون - في شعره - لا يعدو ان يكون شاعرا مقلدا كثير التلف والتصنع ، يتعمد المحسنات البديعية معنوية ولفظية على انواعها ولا سيما الجناس .

فهذا الذي ذكره البستاني قراءة في القشور، وعدم تعمق، وقياس بلا علة ، ولا اجد له سندا؛ لان الرمزية الصوفية ، وان كانت تجمع بين الرمزية الاسلوبية والرمزية الموضوعية ، الا انها تتشكل في نهاية الامر من خلال المعجم الفلسفي الصوفي ، يقول الامام القشيري صاحب الرسالة القشيرية

: "ان لكل طائفة من العلماء الفاظا يستعملونها ، انفردوا بها عن سواهم وتواطؤا عليها لاغراض لهم من تقريب الفهم على المخاطبين بها ن اوتسهيل على اهل تلك الصنفة للوقوف على معانيهم باطلاقها ، وهذه الطائفة يعني الصوفية يستعملون الفاظا فيما قصدوا اليها الكشف عن معانيهم لانفسهم ، والاخفاء والستر على من يباينهم بطريقتهم ، لتكون معاني الفاظهم مستبهمة على الاجانب ؛ غيرة منهم على اسرارهم ان تشيع ، في غير اهلها ، اذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلف او مجلوبة بضرب تصرف، فهي معان اودعها الله تعالى قلوب قوم واستخلص لحقائقها خصائص قوم )

يقول ابن عربي

:

وعني بالتلويح يفهم ذاق غني عن التصريح للمتعنتي

بها لم يبح من لم يبح دمه وفي الاشارة معنى ما العبارة حدتي

ولا يقف حد الاغتراب

- في الشعر الصوفي - عند هذا الحد حيث ان الادب الصوفي يتضمن مبادئ بارزة من الفلسفة الوجودية الحديثة ؛ فنحن عاثرون في الفكر الصوفي على اسس قامت عليها الوجودية الحديثة ، لكن هذا التقارب بين الوجودية والصوفية لا يعني انهم من مشكاة واحدة ، ويكفي هنا الى ان نشير الى فلسفة الحلاج وفكرته في تأليه الانسان من خلال ادعائه : ان الحقيقة الالهية مكونة من ناسوت ولاهوت :

سبحان من اظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب

فبدا في خطه ظاهرا في صورة الاكل والشارب

هذا الانزلاق في التركيب الفلسفي الصوفي ، لا يجوز ان يقرأ بسطحية

- كما يريد الاستاذ كرم البستاني - في التصوف الاسلامي عند الحلاج وابن عربي. وابن الفارض يؤمن بكلية الوجود عبر ادراك ذوقي ، يجعل الذات الالهية مندغمة اندغاما شاملا ، يعيد تشكيل العلاقة المنبثقة من عاطفة الذات الدنيا الى الذات العلية ؛ حيث ان الصوفية ترى : ان الفرد هو محور التماهي مع الوجود ، وهنا نستطيع ان نفهم طبيعة الشطح في العبارات الصوفية من مثل قولهم :

انا هو ، او

: انا ليلى ، او : ما انا الا انا ؛ فهي تعني انا الحق ، او انا الله ، من خلال مفهوم الاندماج عندما تتجلى ذات الله في ذات الصوفي ، واذا ما عدنا الى المقارنة بين الغزل الصوفي والغزل العذري، فإننا نجد تقاربا شكليا بين الانساق التعبيرية يجمع بينها القاسم اللغوي المشترك في دلالاته اللغوية الاولى. غير انه يفترق مع ظلالات الظلال في منهج التاويل الصوفي .

يقول ابن عربي

: في ترجمان الاشواق :

كل ما اذكره من طلل او ربوع او مكان كل ما

وكذا ان قلن ما او قلت يا والا ان جاء فيه او اما

او نساء كاعبات فهد طالعات كشموس او دما

كل ما اذكره مما جرى ذكره او مثله ان تفهما

منه اسرار وانوار انجلت او علت جاء بها رب السما

لفؤادي او فؤاد من له مثل مالي من شروط العلما

صفة قدسية علوية اعلمت ان للصدق قدما

فاصرف الخاطرعن ظاهرها واطلب الباطن حتى تعلما

والحب الصوفي مزج بين الروحي والميتافيزيقى ، من خلال مادة التصوير وهي الطبيعة ، اي بعبارة اكثر صوفية بين الالهي والانساني وفي هذا التوحيد يتم تجاوز ثنائية الاطراف ، بحيث يبدو الروحي والفيزيائي وجهين وتجليين لحقيقة واحدة

.

 

الزمن في الشعر الصوفي

الشعر الصوفي شعر وجداني روحي يشف عن تجربة قلبية تسبح في ملكوت غيهبي ، وتتشكل وفق رؤية ميتافيزيقة ، تتجاوز الواقع او تشكله بعيدا عن القيمة المادية الحدثية القاصرة، فأبجدية الكشف الروحي ، او رحلة العروج والاتصال في ثنائية الاتحاد والفناء تعبث بالقيمة الزمنية الرتيبة ، ليتشكل معها النص الابداعي تشكلا جديدا ذلك

" ان تشكل النص الادبي على نحو او آخر _ يتوقف الى حد كبير على الكيفية التي يتم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بناء الجملة الشعرية

كتبها رمضان عمر ، في 21 أيلول 2009 الساعة: 11:26 ص

وهل الشعر إلا أن تأتي بالمعاني، فترتبها في ذهنك، ثم تجلب لها الألفاظ المناسبة، فتنسجها وفق مقتضيات اللغة، وتعمل فيها ما جادت به قريحتك، من روعة تصوير ، وبعد خيال، وملائمة حرف لحرف، وكلمة لكلمة ، ومعنى لمعنى،محكما قوافيك احكاما تترقرق معه الايقاعات ، فتشنف الأذن وتطرب النفس ، ولا تقل لي: نحن في زمن تطورت فيه اساليب البيان ، ولم تعد القوافي محكمات لضبط البناء ، كما فصل الخليل ومن تبعه باحسان ؛ فالشعر لم يعد ضربا من التصوير ، بل هو دفقات شعورية تعبر عن صاحبها، وفق رؤية فلسفية ، لا يلزمها قيد الايقاع ، ولا ضبط اللغة.

فهذا الذي تراه ،وتضن به وتزعم انه تطور ،من كثير غث منتشر في اسواق الشعر الحديثة، وإن كان فيه ما نحب ونرتضي، غير أنه يحتمل خطأ لا بد من رده ، وهو هيكلية البناء التي يجب أن تستند إلى شكل له أسس تقام عليها أعمدة الكلم ، وما بعد ذلك أعمل فيه أدوات تزيينك.، وهذه الهيكلية مهما طرأ عليها من تطوير، فهي عائدة في مجملها إلى طبيعة اللغة الشعرية المتشكلة من كلام العرب أولا وآخرا، ومعتمدة على ذوقهم .

خذ مثلا بيت امرئ القيس:

قفا نبك من ذكءى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

ثم انظر هل ترى فيها من جمال؟ فان كان ذاك كما طلبتُ فقل لي: من أين تاتى لك ذلك الذوق،الذي قادك الى هذا الاستناس اللطيف ، المتفق عليه لدى اذوقة العرب من كبار نقادهم ، ما لم تنظر الى روعة السبك في تخير المعنى الافتتاحي ، وبنائه بناءا نحويا، وجلب افنان التصوير؛ ليخرج لنا عقدا لؤلؤيا، ودرا منثورا؟ ألم تر أنه أتاك بجملة انشائية؛ تمثلت في فعل الامر”قفا” فاثار فيك شحون الاخوة كي تشاركه فعلا اقتضته حالة الفراق ، ثم اوجب له ما يوجبه النحاة من جزم في جواب الطلب؛ فكانت كلمة “نبك” محذوفة الياء على شرط الجزاء ، وفق اصول النحو ثم علقت هذه الجملة بمقتضيات البكاء؛ فكان الظرف علة البكاء” من ذكرى” والاضافة اضافت معنى جديدا اكتمل معه البناء، ث

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ثقافة تحطيم اللغة في النقد الادبي الحديث

كتبها رمضان عمر ، في 9 أيلول 2009 الساعة: 15:30 م

د.رمضان عمر

اكرمني الله في هذا الشهر الفضيل ان أتممت قراءة درتي الجرجاني: اسرار البلاغة ، واعجاز القران .والجرجاني في كتابيه حاول أن يرد على اولئك الذين استهانوا بقضية التركيب والنظم واصول العلوم التي لا بد منها لاتقان فن السبك في الشعر ،وبيان سحر البيان وعلله،التي جعلت من القران نصا فوقيا لا يعلى عليه، من خلال دقائق تحتاج الى إعمال فكر في اللفظ والتركيب والمعاني ، مبينا ان علل الاعجاز لا تعود للفظة مفردة، ولا لمعنى مستوفى ،الا ان تتعانق الالفاظ مع المعاني في دقة النظم ، وذلك حين يتوخى صاحب النظم اسباب الفصاحة والبلاغة التي تحتاج الى معرفة بالبيان والبديع ، وحسن توظيف لذلك كله دون ان نقفز على ابجديات اللغة .

والجرجاني في كتابيه ابان عن قيمة ابداعية في تاليف الكلام ونظمه، لا تتأتى لغير الحاذق، ولا تستجيب لغير البليغ ، وهي علة اعجاز القران الذي جاء على لغة القوم لفظا ومعنى ، بيد انه استعلى على غيره بروعة نظمه ، وجودة سبكه ، لا بالصرفة التي حرمت القوم القدرة على المحاكاة من خلال تعطيل الارادة ،كما زعم البعض ، بل لسمو القيمة الجمالية المنتظمة في عقد اللغة ، على اكمل وجه .

والكتابان يفصحان عن جمل من الموضوعات التي ان توافرت في البناء اللغوي سما، واتسم بصفته الجمالية؛ فقدم على غيره ، وليست تلك الموضوعات ببعيدة عن مفاهيم البيان والفصاحة والبلاغة ، من دقيق التشبيه وقرب الاستعارة وطرافتها ودقة الوصف ومراعاة حالات التلقي وحسن استخدام الوصل والفصل والحذف.

وقد ضرب لنا الجرجاني في ثنايا شرحة امثلة متنوعة اكثرها شعرا ، ولكنه كان في كل مرة يرد غاية الجمال الى ابلغ كلام ،كلام الله جل في علاه ليثبت له المثالية المطلقة في الحسن ،لكن هذه المثالية الجمالية تاتي في سياق الاثبات الدلالي وفق منطق علمي اقتضته اللغة.

قرات الكتابين قراءة صاد انقطعت به السبل في بيداء قاحلةـ فعنت له زرقة في الافق ، فتوخاها فإذا هي عين رقراقة ،وواحة بديعة زاهية ، فاتقت لذة الشوق بين مشتاق ومشتاقة ، في وصل تكاملي بليغ ،فنهل منها ما شاء الله له ان ينهل ،ثم تفيا الظلال بعد حر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البلاغة والدرس النقدي

كتبها رمضان عمر ، في 1 أيلول 2009 الساعة: 16:47 م

 

لا أزعم ان البلاغة بصفتها العامة حظ عربي فريد، لا تنازعها فيه لغة من اللغات ، فلكل نسق تعبيري في لغة من اللغات سمات بلاغية تدخل فيها الاستعارات والتشبيهات وما سواهما، من فنون تشبه السجع وِالتجنيس ، غير ان الذايقة البلاغية في اللغة العربية لها خصوصية من حيث بناء المفردة ،وبناء الجملة يجعل للدرس الباغي خصوصية من حيث انتماؤه للغة ذات خصائص مميزة.

زمن حق الدرس البلاغي عندنا ان يتناول في سياقاته العربية بعيدا عن منطق اليونان وغيرهم، ولا حاجة لاتهام العرب بضيق الأفق حينما قصَّر المترجمون الاوائل في ترجمة التخييل وربطوه بالتشبيه ، ولا استطيع أن أسير مع من زعم أن في ذلك القصور دليلا على جمود العقلية العربية ، واقتصارها على المحسوس الممكن دون البعيد المتخيل .

بل أرد ذلك إلى طبيعة التفكير الديني عند الفئتين؛ فالذين عبدوا الهة بشرا من دون الله، دخلت الاسطورة والخيال في منطق تفكيرهم؛ فكان النص الأدبي الصق بهذه القيم التخيلية.

أما العرب فهم إما جاهليون عبدوا أصناما، وقد شبهوها بمخلوقات بشرية مجسمة، أو عبدوا الها واحدا بضوابط تمنع التشبيه، فكانت حاجتهم الى الاسطورة اقل.

وقد تحدثنا فيما مضى عن قيمة الدرس البلاغي في تشكيل الرؤية النقدية القديمة ، خدمة للنص القراني،والحقيقة أن تناول النص من خلال المعطيات البلاغية يفتح للناقد بابين اثنين: باب الشكل الجمالي للتعبير البياني القائم على جدلية النظم التي اتسم بها الخطاب القراني البليغ في رؤية عبدالقادر، تناول النص باعتباره وحدات بيانية لا نصا مكتمل المزايا ، ولذا تنولت وحدات النص باعتبارها معزوفات جم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نحو منهج اسلامي في النقد الادبي/ الحلقة الثالثة

كتبها رمضان عمر ، في 29 أغسطس 2009 الساعة: 10:59 ص

 

من الطبيعي ان ينحاز الفكر الجمالي اللغوي في العصر الحديث الى القديم التليد ، لان ارتباط الاسلام مع الغة من خلال القران الكريم ،يجعل المنطق الابداعي ينحى نحو ترسيخ فلسفة الجزالة التي ارسى قواعدها البيان القراني الفريد ، وبسط ابجدياتها النقد السلفي الذي تحدثنا عنه انفا .

 

وليس غريبا ان يقع هذا الموقف من الاسلاميين ؛ ذلك ان محاولات التمرد اللغوي او التجديد على حد تعبير بعض النقاد كانت تاتينا من غير العرب ، بله من غير المخلصين للدين كالزنادقة والفرس في معارك الشعوبية قديما واليسارين والعلمانين في معارك الحداثة حدي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نحو منهج اسلامي في النقد الادبي (2)

كتبها رمضان عمر ، في 24 أغسطس 2009 الساعة: 06:58 ص

ظل النقد  الأدبي العربي مواكبا لحركة الأبداع الشعري منذ طفولته الجاهلية حتى أواخر القرن الخامس ،ولئن بدا النقد- في تلك المرحلة-  إنطباعيا مستندا إلى مبدأ اللياقة الذوقية في مراحله الأولى ،إلا أنه أصبح رؤيويا في أواخر القرن الثاني الهجري عندما حمل لواءه العلماء والرواة؛ فوظفوه توظيفا دينيا خدمة ،للدرس النحوي أو الدرس القرآني ، ثم جاء المعتزلة وارباب الكلام ليصبغوا الدرس النقدي بالصبغة البلاغية ؛فيتحدث الجاحظ عن نظرية النظم، معطيا أهمية للشكل دون المعنى ،ليبقى الأدب العربي بعيدا عن الحكمة الفارسية، وتصبح المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي ، وما أن نصل الى عصر عبد القادر الجرجاني حتى يستقر وضع النقد القديم في صورته شبه النهائية كواحد من مفردات المفاهيم البلاغية التي تعنى بالكلمة والبناء عناية ضبط وتحسين ؛فتتشكل ثنائيات النقد المعروفة كاللفظ والمعنى ، والطبع والتكلف ، والصدق والكذب ، والقديم والحديث .
غير أن صورة هذا النقد لم تبقى على هذه الحالة الجزئية حيث وجد مع أوئل القرن الرابع الهجري نمطين من انماط النقد تمثل احمدها في النقد التطبيقي كما في كتابي الموازنة والوساطة والأخر الكتب النظرية المنطقية كما عند ابن قدامة .
هذه الجهود النقدية الابداعية أفضت الى ميلاد ما عرف بعمود الشعر الذي ضم مجمل هذه التفصيلات ، وسنلاحظ ان عمود الشعر كان يدور حول قضيتين :-
-المحافظة على اللغة باعتبارها قيمة استعلائية ذات منطق عقلي أسس وفق نظام محدد ، وأن الشعر العربي إنجاز من إنجازات هذه اللغة منسجم مع طبيعتها ؛ مما يستدعي مراعاة الصدق الفني في التعبيرات الشعرية ، بحيث تكون الاستعارات معقولة والاوصاف قريبة ، والمعاني شريفة ومطابقة للالفاظ ، ولعل هذا حرم القوم من إمكانية الولوج في عالم التحليلات النفسية وغير النفسية للنشصوص المكتملة ، وابقى الحديث يدور حول الكلمة والبيت الشعري لأن فهمهم للنص على اعتباره لغة قد ضيق مجال التجول في فضاءات النص والتحليق في عالم الخيال ، او الرمز ، أو الاسطورة .
أما القضية الثانية فهي اعتبار الموروث الادبي القديم قاعدة يقاس عليها ولا يجوز مخال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

النقد القديم : ما له وما عليه

كتبها رمضان عمر ، في 21 أغسطس 2009 الساعة: 05:28 ص

النقد القديم : ما له  وما عليه

د. رمضان  عمر

عاش النقد العربي القديم ردحا من الزمن،يتفيأ ظلال محاولات  انطباعية ذوقية، من خلال مواكبة سريعة للبيت والبيتين، تستحضر تعليقا مثاليا من مثل قولهم:والله لولا أن ابا بصير انشدني انفا لقلت انك اشعر من في السوق.او قول بعضهم هذا اجمل بيت قالته العرب ،او أمدح بيت أو اغزل بيت ، وجملة ما  اتسم به  هذا المنهج  -  ان  صح لنا ان نطلق  عليه هذه  التسمية -  هو اللياقة العرفية.ونعني  باللياقة هنا هو هذا الذوق  الفطري  المتمثل  في  طبيعة  فهم  العرب  للغتهم بالسليقة ،  ومثال  ذلك  ما روي أن امرؤ القيس كان جالساً بخبائه، وعنده زوجه (أم جندب) الطائية، فجاءه علقمة  بن عبدة التميمي، وتذاكرا أمر الشعر، وادعى كل منهما لنفسه فيه ما ليس عند صاحبه، فاتفقا على أن ينشدا، وتحكم بينهما (أم جندب) فقال امرؤ القيس قصيدته التي مطلعها:

   خليلي مرا  بي على أم  جندب       نقضي لبانات الفؤاد المعذب

ومنها في وصف جواده:

        فللسوط  ألهوب  وللساق  درة    وللزجر منه وقع أفرج منعب [49]

وقال علقمة يعارضه:

        ذهبت من الهجران  في  كل مذهب

ولم يك حقاً كل هذا التجنب

ووصف فيها جواده فقال:

    فأدركهن  ثانياً  من  عنانه    يمر كمر الرائح المتحلب [50]

فلما فرغا قضت (أم جندب) لعلقمة على امرىء القيس، فسألها:" بم فضلته علي؟" فقالت: "فرس ابن عبدة أجود من فرسك، فأنت زجرت وحركت ساقيك، وضربت بسوطك، أما علقمة فأدرك بفرسه غرضه، ثانياً من عنانه، لم يضربه بسوط ولم يجهده  ".

 بذور غير  ناضجة

وعلى الرغم من هذه الانطباعية المثالية لا نعدم وجود منهجية قياسية متواضعة حكمت أمزجة القوم، وشكلت بذورا بنى عليها المتاخرون أحكامهم؛ فعمر بن الخطاب يفضل زهيرا على غيره من الجاهليين لعلة أخلاقية، جعلت ابن طباطبا العلوي- في القرن الرابع  يعالجها ضمن موضوع الصدق والكذب، والنابغة تناول بيت حسان:

لنا الجفنات البيض يلمعن في الضحى

وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

فكان الغلو واحدا من مفردات الدرس النقدي عند ناقد منطقي- متاخر نسبيا- وهو قدامة .

النقد في  خدمة النص  الديني 

بيد ان الملاحظ في ذلك الجهد النقدي المتمثل في قرونه الخمسة الأولى خصوصا، ميله الشديد لخدمة النص الديني، من حيث اهتمامه باللفظ والمعنى، وتحرزه من المولد والحديث ،بل لقد كانت هذه الغاية واحدة من أهم القضايا التي ولدت المعارك الكبيرة بين القدماء والمحدثين، تلك المعركة التي مثلت في جانب من جوانبها الحرب الثقافية اللغوية بين العربية والفارسية.

ولو تتبعنا قضايا النقد في تلك المرحلة، ومنطق العلماء في تناولها لوجدنا ان كثيراً من منطلقاتهم كانت دفاعية ضد الشعوبية.فهذا ابن الاعرابي استاذ الصولي يرفض ان يقرا لابي تمام؛ لانه هجن المعاني وجاء بغير ما كانت عليه العرب، ومثله فعل ابو عمرو ابن العلاء.

بل ان الآمدي وظف عمود الشعر - وهو قياس يستند في مجمله الى الذوق العربي القديم  القديم في بناء القصيد- لينتصر لشاعر الطبع البحتري، وينال من شاعر الصنعة والفلسفة، وصاحب المعاني ابي تمام، ولعل هذه السلفية النقدية التي وجدناها عند الامدي ومن قبله ابن قتيبة وابن طباطبا؛ هي التي حفظت للقصيدة العربية تقاليدها الصارمة؛ فكان الاتباع أفضل من الخروج والابتكار الا ما استند الى رؤية القوم في بناء الشعر كما في عموده.

ولو اننا تتبعنا تلك المعارك النقدية وما كان يدور فيها من جدل حول اللفظ والمعنى لوجدنا انها كانت تصب في نهر واحد ، نهر الحفاظ على لغة القران ، وهنا يكمن السر في قلة تاثر العرب باليونانية، وغيرها رغم وجود حركة ترجمة لا باس بها . هذا من نحو. من نحو اخر فقد أفضت تلك المعارك إلى بروز فكرة الاعجاز ، وهي رد صريح على فكرة الصرفة، فالإعجاز واقع في النظم أي في الصياغة، وهو عند الجاحظ اعجاز لفظي؛ وهذا واضح من خلال تعريفه لحد الشعر:"الشعر صياغة وضرب من التصوير"؛ لان المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي ،وفي   هذا الفصل الاخير من عبارة الجاحظ ما يكشف عن هدف دفاعي اصيل عن لغة القران ضد الشعوبية.

 اما عبد القاهر فقد خالف الجاحظ ووسع من مفهوم هذه الجدلية ليصل بها غايتها التي  لا كلام بعدها بعد  ان استبدل ذلك بالحديث  عن النظم  ؛ ليتحدث عن التركيب ،من خلال بناء الجملة، معطيا المعنى قيمة واسبقية ، لكن اللفظ من خلال موافقته للمعنى ووقوعه الموقع الحسن في سياق النظم الذي يجعل الكلام بليغا،هو الذي  يتمم مفهوم الفصاحة  ويحدد  معالمها.

من خلال هذه النظرية، استطاع عبدالقاهر ان يجيب عن سؤال لطالما دار حوله العلماء، عند تناول النص القراني الفريد في شيء من التحليل البياني، مبينا ان موطن الاستعلاء في النص القراني يكمن في تلك السمة الجمالية التي لا تقع الا من خلال النظم.

الاعجاز  واثره في النقد القديم

هذه النظرية اغلقت الى حد ما الاجتهادات المتوقعة في قضايا كان يمكن ان يفتحها الدرس النقدي عند الحديث مثلا عن الجنس الادبي  ، او  عند تناول الناقد   للنص القراني .ذلك ان النقد الادبي وفقا لهذا التصور البياني    اصبح مفردة بلاغية تبحث   عن جماليات التعبير ،  بعيدا  عن فضاءات النص  المشكلة لتكمالية الابداع  . 

فقد تحددت معالم الشعر، وفق  لهذا المنطق  البلاغي،  واضحى اللفظ   أو الشكل  اساس  التركيب  الجمالي في  بناء القصيدة ، وبينت مقاييس البلاغة واضحى النقد الأدبي رافدا من روافدها -أي البلاغة- إن لم يكن هي، فمدار النقد القديم، لم يكد يغادر تينك القضيتين: اللفظ والمعنى ، ليشكل من هذه الثنائية نمطا قياسيا ملزما في اكثر الاحيان، حماية للغة القران ، وردفا لها ، خصوصا أن العلماء الاوائل الذين أسسوا لهذا المنهج النقدي إنما انطلقوا من استحضار الشاهد، لتوظيفه في النحو أوفي العلوم القرانية، في اغلب الأحيان .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الاب الجاهلي في محكمة النقد الادبي

كتبها رمضان عمر ، في 26 حزيران 2009 الساعة: 13:12 م

 

 

 

الادب  الجاهلي في محكمة النقد الادبي

رمضان عمر

لم يكن   من قبيل  المصادقة ان تعالت اصوات  حداثية عربية واوروبية تقدح في صرح العربية الشامخ،  وتحاول ان تحطم  بمعاولها التترية  تاريخ المجد  المتربع -عبر قرون-  على صفحة الابداع، التي  لم يكن للعرب  غيرها  صفحة ؛  حيث  ديوانهم الواسع،  وسجل تاريخهم الماتع،  ومنار  مجدهم الرائع، ونور فلسفتهم الذائع،  وسؤؤد تفكيرهم الجامع.

 هذه الاصوات ،شكلت في  مجملها حلقات   ربما  كانت لها حسنات  من  حيث  ارادت الضرر  ؛ حيث  نبهت الباحثين الى رورت البحث  والتنقيب  عن حقائق  الاصالة ،  ومثالب  التغريب  فزكا العلم ونما ،  وانقدحت العقول وانبرت الاقلام الصادقة  تنافح عن هذا المجد وتستخرج  من  كنوزه ما خفي  وغاب  حتى    حقق  للعربية ما  ارادت  من الحفظ  والصون  والدفاع  والذود .

معركة   الاصالة والتجديد،او القديم والحديث  معركة قديمة قدم الادب ذاته ،   جدلية لا  تصل  الى حل ،  غير  ان بقاء  الادب  الجاهلي  يحتفظ بمنزلة رفيعة   امام  كافة الغزوات الفكرية،  والحروب  الثقافية منذ مهد   الشعوبية الاول   حتى لحد الحداثية  الاخير،  قد يضع بعض النقاط  على  كثير  من الحروف؛  ليقول - لنا -  بملء الفيه : اين دعاة التجديد   وما آثاروه من زوابع خريفية واهية سقطت كأوراق التوت في اول معركة من نوعها. فليموتوا بغيظهم لو  كانوا يشعرون.

  فما زال  الادب الجاهلي-  رغم  ما قيل عنه- يحتفظ بزهوه.  وما  زالت  القصيدة الجاهلية تحتفظ  بمثاليتها النموذجية ،  مفحمة كل  الادعياء؛  وكانها تقول  متمثلة بيت الشعر  :

  كناطح صخرة يوما ليوهنها   فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

ومع انني  لا انظر بعين الجلال  الى تلك الدعوات المغالية في  طرحها، المفتقرة الى  النهج العلمي في منطقها ؛ الا  انني ارى فيها خيرا كبيرا للشعر  الجاهلي  نفسه ، فهي  لا تزال  تكشف  عن  درره  وعلة  منزلته ، امام كل  جديد مستحدث  وكان شجرته الباسقة تقول  من عل  مهما  نمت شجيرات الغار  فان شجر  السرو  اسمى  وانمى  ، ولن يجتث  غرقد الغرب  تمر  المدينة،  وسيبقى الحرف  العربي  يمينيا  ويمانيا ،  والحكمة يمانية مهما هبت رياح السموم من الغرب   القصي، او الشرق  الدني. 

ولا احب ان يفهم عني اني اعبد القديم عبادة اصحابه للاوثان، او انظر اليه بعين القداسة التي تحجب الاضاءة كما يفعل العميان ، فالجاهلية التي حاربها القرأن وناصبها العداء، واتهمها بالسفه والغي والطيش ليست مقدسة عندي ، غير ان موقفي من العربية الفصيحة، والشعر الجاهلي الذي سال مسكا عنبريا ساحرا ليس كموقفي من اصحابه ، بل اتفيأ في ذلك ظلال المقولة الخالدة " وان من البيان لسحر ا " وسحر البيان هو ذاك الشعر العربي الجاهلي الذي وصل به حد الجودة الى ان فاخر به العرب سائر الامم وتغنوا به مجدا خالدا تليدا الى ان ماعت بهم الاذواق ، واختلطت مشاربهم بالاجناس من فرس  وعجم  الوافدة؛ فسرى اللحن فيهم سري سرطان خبيث ، ففسدت اذواقهم ، وجفت قرائحهم ،وعييت ألسنتهم وتكدر ماء الشعر في صفحة ابداعهم، فكثر غثه وقل سمينه  حتى انفض عنه  الاخيار والاطهار واضحى بضاعة مزجاة لا زهو فيها  ولا تصوير  وحسبك  مما اردت ان  تتصفح  مجلات هذا العصر  ومؤلفات  اهله لتقع  على الغث  من  منتوجات الحداثة  ما يسد نفسك ويصدع راسك،  ويطن  اذنك .وكل  ذلك يسمونه  شعرا  بل  تجديدا  وابداعا  .  والقديم فيه  من غرابة اللفظ  وبطلان المعاني  ما لا استسيغه  ،ولا اضن به ، غير ان ما لم يدرك جله لا يترك  كله ، والقضية –عندي-  راجعة  لا الى بعض المعاني  والصور/   بل  الى ذاك الموروث  جملة وتفصيلا؛ فهو  خير  لا  يرد  وان بدا فيه  ما ارتأى لناظريه  من  قدم؛  فانه قدم  التحفة الفنية  ،والكنز  المدفون عبر  الالف السنين، وقد استمر  بالقه وتميزه ، فلا اقل  من  ان  نقدره تقدير الامم لكل  موروث  لها ، لا  ان  نحطمه  حطم الغافل  الغبي .

 ثم اين هذا المبتدع  -من شعر الحداثة-   من ذاك الشعر العبقري المجيد الخالد العسجدي الفريد!! الذي نقف معه خاشعين  لقوة جرسه ، وسحر  بيانه ، وقد تعملق فينا الانبهار- به-  حتى ان أذاننا ملئت شغفا بسماعه ، واعيننا قرت مطمئنة بمتابعته ، وقلوبنا سحرت ولهاَ  بتملكه.

 ولن يكون  احمد  امين  ومن قبله  طه حسين اخر الركب  في القافلة التي  رفعت  لواء  المجاهرة بتسفيه  ما توافق  القوم على تقديسه ،  ولن ينغلق  باب  الالتحاق  بالمدافعين عن   تاريخ الادب  العربي  مع ابن سلام  وابن قتيبة والجاحظ  وزكي  مبارك  وعفيف  عبدالرحمن  وناصر الدين الاسد  ورمضان عمر ، بل  ان عضوية الانتماء لهذه  المدرسة المحافظة سيظل  ما بقي القران محفوظا  بامر  الله  وما بقيت الفصحى  شامخة بيراعات المبدعين الاصحاء.

  والكتابة الحديثة فيها خير  ولا اقف  منها  موقف  المتزمت   المرتاب،  فتمثيل العصر بذائقة صاحبه ،  وتخير اللفظ  من قاموس مستخدمه ، مما  تعارف  عليه  اهل  هذا الزمان  نحبه  ونميل  اليه ، غير  اننا لا  نسقط  ما  نحب  على  ما مضى ؛ فلكل زمان  مقاله ودولته ورجاله ،  وهنا  تبدو  المخالفة . فلن  اطالب  ذي الرمة  ما اطالب  به  درويش  ،  ولن  انتظر  من  جميل بثينة ما  رايته  من جميل  غزل  قباني  فكل في  عصره  جميل   .

 واذا كان  المتحاملون على الماضي  يقولون :" لقد سيطرت نزعة تقديس الماضي على الفكر والإبداع العربيين، واقترنت في تصاعدها بالعداء للفكر العقلاني والإبداع الحداثي، وكان الحفاظ على التقاليد الأدبية، في معناها الجامد، هو الوجه الآخر من نزعة تقدي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي