|

"قاوم" خاص - ولا أعتقد أن الحركات الإسلامية التي مثلت غالبية ساحقة في انتخابات ما بعد الثورة لها القدرة على التراجع والعدول عن استلام مهام تشكيل النظام الناشئ الجديد "الدولة" وفق مفهوم إسلامي شمولي النظرة، واقعي التطبيق، لكن السؤال الكبير الذي سيبقى محاصراً لهذه الدولة هو: هل إنشاء دولة ذات طابع إسلامي يقع ضمن مصطلح الدولة الدينية؟ أم أن الدولة الإسلامية المعاصرة ستبقى دولة حديثة ضمن خصوصية تتمثل في البعد الذي تمثله الأحزاب الإسلامية الحاكمة؟
————————-
فتح عالم ما وراء الثورات العربية، وانتصارات الإسلاميين فيها -فكراً وسياسة وحسن إدارة- أسئلة جادة حول مستقبل النظام العربي المتشكل بعيد فوز الإسلاميين وطبيعة الدولة المعاصرة ذات البعد الإسلامي، ومستقبل هذه الدول والتحديات المحتملة لتحقيق نظام سياسي ذي صبغة إسلامية.
فهل يكفي للتصور الإسلامي أن ينخرط في نظام سياسي عصري ثم يصبغ بالصبغة الإسلامية من خلال الغاية والمنهج ليحقق طموحاته وآماله وشعاراته؟
وهل يمكن أن تبنى أركان الدولة الإسلامية وفق رؤى عصرية يعمل التيار الإسلامي من خلالها على إصلاح وتغيير ما كان سائداً ثم تقديم أنموذج في التصور ينطلق من الفكر الإسلامي دون حاجة لإعلان إسلامية الدول بشكل مباشر؟
أم أن هذا النظام الوليد لن يكتسب الصفة الإسلامية ما لم يعلن الحاكمون فيه عن دولتهم بأنها دولة إسلامية أو خلافة إسلامية؟
أم أن هذا التصور يعني: أن مفهوم الدولة الإسلامية الناشئ الجديد في الفكر الإسلامي المعاصر يعني أن الدولة الإسلامية المعاصرة لا تلتقي مع مفهوم الخلافة التي مثلت واقعاً تاريخياً ممتداً منذ فجر الإسلام الأول حتى هدمها أتاتروك قبل ما ينيف عن قرن من الزمان؟
وهل مفهوم الدولة الإسلامية المعاصرة المتحقق من خلال برنامج سياسي يُفَعَّل داخل نظام عصري يحقق طموحات الإسلاميين في برامجهم وأدبياتهم اللاتي نادوا بها منذ عقود؟
وهل الدولة الإسلامية المنتظرة ستكون لها إمكانات التشكل ومقومات الاستقلال والتعايش في خضم العالم المدني المعاصر دون أن تراعي واقعية العصر أو عصرية الدولة في زمن أقل ما يقال في حقه أنه زمن الانفتاح والتكنولوجيا والعولمة والاقتصاد؟
صحيح أن هذه الأسئلة تمثل في حقيقتها عتبات نصية تحتاج إلى مشاريع بحث جادة يقوم عليها أهل الاختصاص من فقهاء الشرع والسياسة والقانون، غير أن التحولات الكبرى التي تجري في المنطقة، وتداعيات هذه التحولات وبروز ظاهرة الإسلام السياسي المشكل للنظم الجديدة قد لا يسمح بالتريث والانتظار ريثما يقطع في هذه القضايا المعقدة، ويبت فيها، بل ربما تكون هذه القراءة البحثية محاولة ضرورية لعصف ذهني يوجه أسئلة الخطاب نحو قضية سياسية ساخنة تحتاج إلى بعديها الفكري والشرعي؛ فالحكومات المشكلة فيما بعد الثورات تطرح نفسها على أنها حكومات تمثل المنهجية الإسلامية في الحكم والسياسة؛ فالإسلام في كليته وشموليته -عند هؤلاء- يعد مصدر التشريع الأول في بناء الدولة، بل إن الأحزاب المشكلة لهذه الحكومات هي نفسها الأحزاب التي كانت تنادي -عبر عقود- بتبني الإسلام وتحكيمه.
إن طرحنا لموضوع الدولة -الآن- قد يعين على كشف الحجب عن أسئلة الإعاقة، وجدليات الخلاف الفقهي حول مفهوم الدولة، لأن الحديث هنا يحاول أن ينصب في بوتقة واقع متشكل تمثل الإسلامية جزأه الأكبر من حيث المسؤولية وحمل الأمانة.
ولا أعتقد أن الحركات الإسلامية التي مثلت غالبية ساحقة في انتخابات ما بعد الثورة لها القدرة على التراجع والعدول عن استلام مهام تشكيل النظام الناشئ الجديد "الدولة" وفق مفهوم إسلامي شمولي النظرة، واقعي التطبيق، لكن السؤال الكبير الذي سيبقى محاصراً لهذه الدولة هو: هل انشاء دولة ذات طابع إسلامي يقع ضمن مصطلح الدولة الدينية؟ أم أن الدولة الإسلامية المعاصرة ستبقى دولة حديثة ضمن خصوصية تتمثل في البعد الذي تمثله الأحزاب الإسلامية الحاكمة؟
الدولة الاسلامية بين المفهومين: الشرعي والقانوني:
إذا كان التصور الاسلامي حول السلطة والحكم ينطلق من أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الاسلام ديناً قيماً ملزماً وشاملاً في أحكامه وتعاليمه في كل ما يخص الأرض والإنسان، وأن الدولة خاضعة لهذا التصور في أحكامها وتنظيمها وتوجيهاتها كما جاء في قوله تعالى: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ" (النحل : 89).
وإذا كانت الحاكمية –وفق هذا التصور- لله وحده، والغاية من الوجود البشري محصورة في تنفيذ ما أمر الله، وترك ما نهى عنه، فهل يعني ذلك أن لا حاكم فعلياً غير الله، مما يدخلنا في جدلية "الدولة الدينية" وفق المفهوم الغربي؛ تلك الدولة التي يعد الإله فيها هو الحاكم المدني الأعلى وتحكُم فيها السلطات الدينية ممثلةً له(1)؟
ثم هل لمنكر أن يقول: إن تجربة الدولة الإسلامية عبر قرون الخلافة -إذا ما اسثنينا حكم النبوة، وحكم الصحابة رضي الله عنهم-، لن يختلف كثيراً عن حكم الامبراطوريات التي يصبح الدين معها عاملاً من عوامل توطيد الحكم، لا أساساً فيه؟
إن تصورات ميكافيلي وهيجل وماركس حول مفهوم الدولة تلتقي أحياناً مع تصورات عالم الاجتماع الإسلامي ابن خلدون حينما بين علاقة الدين بالدولة، حيث ينطلق في تحليله من أن عصبية النسب هي أساس التركيبة الاجتماعية(2)، ولعل هذه العصبية (النسب) هي التي شكلت جسد الخلافة عبر عصورها ولا أدل على ذلك من أسماء الدول: كالأموية والعباسية والفاطمية… الخ.
وقد كان الملك في تجربة أولئك طريقاً للمجد والشهرة، حتى حينما كان الإسلام يدخل كشرط في الخلافة كانت المنافسة تقع ضمن هذه العصبية، ولذا كانت فترة الخلافة التي يغلب فيها الوازع الديني وحده على العصبية دون أن يلغيها قصيرة ما لبثت أن تركت الأمور تجري إلى نهايتها المنطقية في الملك القائم على القهر والسيف ومنعته العصبية (3).
وهل ذلك الواقع التاريخي الشائب لا يسمح بتقديمه كأنموذج يؤخذ منه ويرد؟ أم أننا سنكون مدعوِّين لتقديم شاهد أكثر وثوقية من مثال بشري يخضع لمنطق الصحة أو الخطأ.
ولعلنا نستحضر هنا نصين من نصوص القرآن، يمثلان منطلقاً هاماً في التصور الشرعي للحكم بصفة عامة أما أولاهما: قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" (سورة النساء: 58).
ولعل ورود كلمة الناس في سياق الآية يشير إلى أن المبدأ عام في الحكم، ولا يخص الشرائع التي تطبق على المسلمين، دون غيرهم.
والنص الثاني من هدي المصطفى-صلى الله عليه وسلم-؛ فقد ورد في الصحيح: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة؛ قال: وكيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة"(4).
لكن ما موقع هذا التصور الذي يبنى على مبدأ العدل العام في مفهوم الدولة المعاصرة أو دولة المؤسسات أوالدولة الديمقراطية؟ حيث استقر في أذهان السياسيين أن الدولة الحديثة الديمقراطية هي: (التي تكون سلطة الدولة فيها للشعب يمارسها بطريق غير مباشر أو مباشر ضمن نظام تمثيلي عادل)(5).
الدولة الإسلامية والفهم الغربي :
يرفض الإسلاميون أن يكون ما يطرحونه من إسلامية الدولة مشابهاً لما قدمه الفكر الغربي حول فهمهم للدولة الدينية؛ ذلك: "أن هذا النموذج (المسيحي) مِن الحُكم هو السائد في أوروبا في القرون الوسطى، حيث كانت الكنيسة مارداً جباراً وطاغوتاً جائراً يملك كل مقومات البقاء ولوازم الاستبداد، ويُريد أنْ يُسيطر على كل شيء ويُسَيِّر كل شيء وفق إرادته وهواه. ولم تدع الكنيسة جانباً مِن جوانب الحياة دون أنْ تمسكه بيدٍ مِن حديد وتغله بقيودها العاتية، فهيمنت على المجتمع مِن كل نواحيه الدينية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وفرضت على عقول الناس وأقوالهم وتصرفاتهم وصاية لا نظير لها البتة. وإنَّ التاريخ ليفيض في الحديث عن طغيان الكنيسة ويُقَدِّم نماذج حية له في كلِ شأنٍ مِن الشؤون"(6).
هذا في الوقت الذي كانت فيه الدولة الإسلامية حاملةً لشُعلة الحضارة والتقدم في العالم. فـالأقطار التي لم يشملها نور الإسلام –لا سيما في أوروبا الهمجية– ظلت ترزح تحت نير الطغاة، وظل الفرد الأوروبي عدة قرون يعبد الهين مِن البشر: الامبراطور والبابا. الأول يدَّعي أنَّ له الحق في حُكم الناس وفق مشيئته ويخضعهم لهواه، والثاني يُبارِك خطواته ويُلزِم الشعب بطاعته لأنَّ ذلك يأمر به الله وتمليه السماء(7).
وفي هذا يقول الشيخ يوسف القرضاوي: "يريدون أن يطبقوا على الإسلام في الشرق ما طبق على المسيحية في الغرب، ومع أن الإسلام غير المسيحية، والمسجد غير الكنيسة، وتاريخ علماء الإسلام هنا غير تاريخ رجال الكهنوت هناك، ولا يوجد في الإسلام: دع ما لقيصر لقيصر، ومال لله لله، بل يعلن الإسلام أن لقيصر وما لقيصر كله لله الواحد الأحد، ولم يقف الإسلام ضد العلم والفكر والإبداع والتحرر، كما وقفت الكنيسة في الغرب، ولم ينشئ محاكم التفتيش الرهيبة التي أنشأتها الكنيسة لتحاكم العلماء والمفكرين والمبدعين، أحياء وأمواتاً"(8).
مفهوم الدولة في الإسلام:
لقد بدا واضحاً من العرض السابق أن الدولة الإسلامية المعاصرة تختلف في أهدافها ووظائفها ومصادرها التشريعية عن غيرها مِن النماذج البشرية الوضعية التي شهدها التاريخ الإنساني. ولكنها في الوقت ذاته ليست سوى واقع سياسي يتسم بالعدل والأمانة وحسن الإدارة وتحقيق ما نادت به الشريعة من تسيير أمور الناس تسييراً يضمن لهم السعادة في الدنيا والآخرة.
دولة الرسول في المدينة :
ستبقى التجربة الإسلامية الأولى في إقامة الدولة، ومزاولة الحكم واحدة من التجارب الفريدة التي لا يمكن إغفالها أو تجاوزها أو القفز عنها؛ لأنها تعد أساساً يقاس عليه ومنطلقاً يحتذى به .
والناظر لواقع تلك الدولة وماهيتها يجدها دولة قانونية بالمفهوم المعاصر؛ ذلك أنها كانت تقوم على قواعد ثابتة، يتحرك الحاكم من خلالها لتحقيق العدل والحرية وتنفيذ مصالح الأفراد والجماعات.
إن دولة الإسلام الأولى كانت تقوم على أسس عليا، ومرجعية واضحة أخذت من الكتاب والسنة، وطبقت في الواقع البشري تطبيقاً عادلاً ينسجم مع حاجة البشر وطبائعهم، ولعل نظرة إلى الوثيقة السياسية التي أقرها الرسول لتكون دستوراً للتفاهم السياسي في مجتمع مدني مختلط الطوائف والمشارب يؤكد أن النظام السياسي الذي أقامه الرسول نظام يؤمن بالواقعية والتعددية، ويراعي قانون العلاقات الدولية، ويختلف كلياً عن مفهوم الدولة الدينية الجامد الذي عرف في الغرب(9).
|